الفطرة في ميزان القرآن ومنطق البيان
نقد ثنائية الفطرة والطبيعة عند الشيخ محيي الدين حائري الشيرازي وإعادة بناء الإنسان التربوي من المدونة القرآنية
دراسة علمية نقدية تأسيسية
إعداد: د. ابن عباس العاملي
2026
الملخص
تبحث هذه الدراسة في واحدة من أكثر المسائل تأسيساً في المشروع التربوي للشيخ محيي الدين حائري الشيرازي، وهي ثنائية «الفطرة والطبيعة» التي جعلها مفتاحاً لفهم الإنسان ومراحل نموه ووظيفة المربي وطرائق التربية وغايتها. ولا تقصد الدراسة تقويم الشيخ من خارج مشروعه، بل تختبر دعواه من داخل المرجعية التي يعلن الاحتكام إليها، أي القرآن والسنة، مع جعل القرآن حاكماً على المصطلح والمفهوم، لا شاهداً لاحقاً على بناء سابق. وتنطلق الدراسة من استقراء مادة «فطر» في القرآن، ثم تمييز اللفظ القرآني «فطرة» من الحمولات الاصطلاحية اللاحقة، ثم بناء المدونة القرآنية الأوسع المتعلقة بالإنسان: الخلق والتسوية والنفس والقلب والهوى والشهوة والفجور والتقوى والهدى والضلال والذكر والتزكية والتدسية والابتلاء والرشد والعبودية والقيام والمآل. وتخلص الدراسة إلى أن حائري الشيرازي أصاب في جملة من بصائره التربوية، ولا سيما رفض اختزال التربية في نقل المعلومات، والنظر إلى المربي بوصفه مهيئاً لشروط النمو لا صانعاً قسرياً للإنسان، وربط التربية بالحرية والمسؤولية والقدوة والعبودية؛ غير أن ثنائية «الفطرة والطبيعة» لا تثبت بوصفها ثنائية قرآنية حاكمة بالقدر الذي يوظفها فيه. فالقرآن لا يقابل «الفطرة» بـ«الطبيعة»، ولا يجعل باطن الإنسان نظاماً ثنائياً بسيطاً من جوهر خير وآخر مادي مضاد، بل يعرض بنية مركبة تتداخل فيها النفس والتسوية والإلهام والهوى والشهوة والقلب والعقل والذكر والهدى والاختيار والعمل والابتلاء. وتقترح الدراسة إعادة بناء الإنسان التربوي من داخل هذه الشبكة، بحيث تصبح الفطرة وصفاً لخلق الله الذي أقام الإنسان عليه، لا بديلاً عن البيان والوحي ولا اسماً جامعاً لكل دوافع الخير. وبذلك تنتقل النظرية من «تحرير الفطرة من الطبيعة» إلى «تعليم الإنسان وتزكيته وابتلائه حتى الرشد والقيام والرضوان».
الكلمات المفتاحية: الفطرة؛ حائري الشيرازي؛ التربية؛ الطبيعة؛ النفس؛ التزكية؛ الهدى؛ منطق البيان؛ الإنسان التربوي.
مقدمة: من نقد الفكرة إلى إعادة بناء السؤال
تتكرر في الكتابات الإسلامية المعاصرة محاولة بناء علم للتربية بالاستناد إلى مفهوم الفطرة، حتى غدا هذا اللفظ عند عدد من الباحثين وعلماء التربية مفتاحاً لتفسير نزوع الإنسان إلى الخير والدين والقيم والمعنى. غير أن كثرة استعمال المصطلح لا تكفي لإثبات سعة مدلوله القرآني، كما أن صحة بعض نتائجه لا تكفي لإثبات صحة بنيته. وتظهر أهمية هذا التمييز بوضوح في مشروع الشيخ محيي الدين حائري الشيرازي؛ إذ لا ترد «الفطرة» عنده عنصراً جزئياً في تفسير السلوك، بل تتحول إلى طرف في ثنائية كبرى تقابل «الطبيعة»، ثم تمتد هذه الثنائية إلى تحليل الطفل والمربي والمحبة والنظام والتكليف ومراحل العمر وغاية التربية. وقد أكدت الدراسة الجامعة الحديثة لأفكاره أن «الفطرة والطبيعة» من أكثر مبانيه الإنسانية تأثيراً في بقية أجزاء منظومته التربوية، وأنها تدخل في تفسير الأهداف والمبادئ والطرائق والمراحل (إسفندياري وتهوري، 2025، صص. 185-217).
لهذا لا يكفي أن يُسأل: هل للفطرة أصل في القرآن؟ فالجواب الأولي واضح، لأن لفظ «فطرة» وارد في قوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ (الروم: 30). وإنما السؤال الأدق هو: هل يسمح الاستعمال القرآني بأن تتحول الفطرة إلى جهاز باطني كامل في مقابل «الطبيعة»؟ وهل تسمح المدونة بجعل الصراع التربوي صراعاً بين هذين الطرفين؟ وهل يكون كل ما ينسب إلى الفطرة في النظرية من التعقل والخير والحرية والتوحيد والسمو والضمير ثابتاً بدلالة اللفظ نفسه، أم أن بعضها يُستمد في الحقيقة من مفاهيم قرآنية أخرى ثم يُجمع تحت عنوان واحد؟
يعتمد هذا البحث قاعدة منهجية: لا يُعتمد في بناء علم قرآني مصطلح ولا مفهوم لمجرد اشتهاره في التراث، ولا لأن معناه يبدو منسجماً مع الدين، بل يُعاد أولاً إلى المدونة القرآنية، ثم تُستقرأ صيغته وسياقاته وشبكته والمفاهيم القريبة والمقابلة له، ثم يُحكم على مقدار ما يحتمله النص. وهذه القاعدة لا تمنع الإفادة من الاجتهاد الإنساني، لكنها تمنع أن يتحول الاجتهاد إلى سلطة على القرآن.
أولاً: إشكالية الدراسة وأسئلتها ومنهجها
تتمثل إشكالية الدراسة في أن البناء التربوي عند حائري الشيرازي يعلن المرجعية القرآنية والروائية، غير أن عدداً من مفاهيمه الحاكمة، وفي مقدمتها «الفطرة والطبيعة»، يحتاج إلى اختبار مستقل: هل استُخرج من القرآن، أم صيغ أولاً ثم أُعيدت قراءة الآيات في ضوئه؟ وتزداد أهمية هذا السؤال لأن النظرية ليست وصفاً للإنسان فحسب، بل تنتج أحكاماً عملية في التربية، مثل كيفية تفسير شر الطفل، ومتى يُترك لطبيعته، ومتى تُضبط، وكيف يتدرج في المراحل الثلاث.
وتسعى الدراسة إلى الإجابة عن خمسة أسئلة مترابطة: ما موقع ثنائية الفطرة والطبيعة في مشروع حائري الشيرازي؟ وما الدلالة التي تسمح بها مادة «فطر» في القرآن؟ وهل يقدم القرآن «الطبيعة» مقابلاً للفطرة؟ وما البنية البديلة التي يقدمها القرآن لفهم الداخل الإنساني؟ ثم ما صورة النظرية التربوية إذا أُعيد بناؤها من المدونة القرآنية لا من الثنائية السابقة؟
أما المنهج فهو استقرائي تحليلي نقدي تركيبي: استقراء صيغ «فطر» والمفاهيم المتصلة بالإنسان، وتحليل مواقعها، ونقد الانتقال من اللفظ إلى النظرية، ثم تركيب نموذج تربوي من الشبكة القرآنية. ويستعين البحث بأعمال حائري الشيرازي نفسها، ولا سيما «راه رشد» و«مربي وتربيت»، وبالدراسة الحديثة الجامعة لأفكاره، وبعدد من الدراسات المحكمة في مفهوم الفطرة. وقد جعلت أرقام الصفحات في الإحالات على المصادر المطبوعة أو المقالات العلمية وفق الصفحات المثبتة في طبعاتها أو نطاق صفحاتها المنشور، ولم تُنسب صفحة إلى مصدر إلكتروني لا يثبت ترقيم النسخة.
ثانياً: موقع «الفطرة والطبيعة» في مشروع حائري الشيرازي
لا يمكن فهم النظرية التربوية للشيخ حائري الشيرازي من خلال مجموعة نصائح أسرية منفصلة. فالمادة التي جُمعت في «راه رشد» تمثل خلاصة عقود من الدروس والتأملات التربوية، وقد بُني المجلد الأول منها على مباحث إنسانية ومنهجية، وفيه فصل صريح في «نظرية الفطرة والطبيعة»، بما يؤكد أن الثنائية ليست مثالاً تعليمياً عارضاً، وإنما مدخل في معرفة الإنسان الذي ستقام عليه التربية (حائري الشيرازي، 2023أ، ج1، ص. 78؛ إسفندياري وتهوري، 2025، صص. 185-217).
في هذا البناء يمتلك الإنسان -بحسب التعبير المتكرر عند الشيخ- «فطرة» و«طبيعة». وتدل الطبيعة على جانب التعلقات والرغبات الدنيوية والنفسانية، في حين تدل الفطرة على الجانب الذي يمكنه أن يحكم تلك التعلقات ويقود الإنسان إلى ما فوقها. ومن ثم لا تفسر الثنائية حالة الإنسان الراهن فحسب، بل تفسر التربية نفسها: لا تكون التربية صناعة شيء من العدم، بل مساعدة الفطرة على الظهور والحاكمية وضبط الطبيعة.
ويظهر التطبيق التربوي الصريح لهذه الرؤية في قوله بشأن الطفل: إذا صدر منه خلاف أخلاقي فلا ينبغي وصفه بأنه «طفل سيئ»، بل ينبغي فهم أن «طبيعته لم تُضبط بعد» وأن المطلوب أن تُحرر فطرته تدريجاً لتتمكن من ضبط الطبيعة. ويشير في الموضع نفسه إلى إمكان أن يكون الطفل حسن السلوك في الصغر ثم يشتد انحرافه لاحقاً لأن طبيعته لم تظهر باكراً؛ وبذلك لا يصبح السلوك الظاهر وحده معياراً على حقيقة الباطن (حائري الشيرازي، 2023أ، ج1، ص. 78). هذه البصيرة التربوية ذات قيمة؛ لأنها تمنع تثبيت هوية أخلاقية سلبية على الطفل، لكنها في الوقت نفسه تكشف مقدار الاعتماد النظري على الثنائية.
ويمتد أثر الثنائية إلى مراحل التربية؛ فتظهر عنده قراءة للمراحل الثلاث ذات السبع السنوات: السنوات الأولى طور الطبيعة والإشباع النسبي والحركة واللعب، ثم طور ضبط الطبيعة، ثم طور نضج الفطرة واجتهادها. وقد سجلت الدراسة الأكاديمية لأفكاره هذا البناء بوصفه من أبرز تجديداته في تفسير المراحل التربوية (إسفندياري وتهوري، 2025، صص. 185-217). ومن ثم فاختبار الثنائية ليس نقاشاً لفظياً، بل هو اختبار للأساس الذي تُشتق منه أحكام تربوية متعددة.
ثالثاً: ما الذي تقوله مادة «فطر» في القرآن؟
الخطوة الأولى في ميزان القرآن هي فصل اللفظ القرآني عن تاريخ استعماله الاصطلاحي. فمادة «فطر» في القرآن تدور في أكثر مواقعها حول فعل الإيجاد والإنشاء الأول، ويأتي «فاطر السماوات والأرض» وصفاً لله تعالى، بينما لا يرد المصدر «فطرة» في وصف الإنسان إلا مرة واحدة في سورة الروم. وتؤكد الدراسات الموضوعية للمادة أن المصدر «فطرة» مفرد في القرآن، وأن أكثر صيغ الجذر متصلة بالفعل «فطر» واسم الفاعل «فاطر» (المخلف، 2015، صص. 81-120؛ مهنّا، 2019، صص. 1-18).
﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الروم: 30).
تتألف الآية من وحدات مترابطة لا يجوز فصل «الفطرة» عنها: إقامة الوجه، والدين، والحنيفية، وفطرة الله، وفطر الناس عليها، وعدم تبديل خلق الله، والدين القيم، ثم قصور أكثر الناس عن العلم. وهذا التركيب يمنع اختزال الفطرة في «نزعة نفسية» منفردة؛ فاللفظ موضوع داخل علاقة بين الخلق والدين والاتجاه والحنيفية. ومن ثم يكون المعنى الأول الذي يثبت بيقين هو أن ثمة خلقاً إلهياً للناس له مناسبة بالدين القيم والحنيفية، لا أن في الإنسان «صوتاً» مستقلاً يحمل تفصيلاً كاملاً للحقائق والأحكام.
وقد بينت دراسة المخلف أن معنى الفطرة في الدراسات التفسيرية يدور بين الخلقة المهيأة للحق وبين الإسلام أو التوحيد، وأن اختلاف المفسرين في مدى التعيين لا يلغي أصل الصلة بالخلق الأول والدين (المخلف، 2015، صص. 89-104). كما خلصت دراسة الظفيري إلى أن الخلاف التاريخي في تفسير الفطرة دار بين حملها على الإسلام وحملها على الخلقة المهيأة لقبوله، مع بقاء الارتباط بين الأصلين (الظفيري، 2024، صص. 1-52). وهذه النتائج نفسها تحذر من تضخيم اللفظ إلى منظومة نفسية مستقلة غير مثبتة من سياقه.
رابعاً: الفطرة ليست كل ما هو باطني ولا كل ما هو خير
من الأخطاء المنهجية الممكنة في دراسة الفطرة الانتقال من كونها «خلقاً إلهياً» إلى اعتبارها اسماً لكل ميل محمود في الإنسان. فالقرآن حين يريد وصف دوافع وحالات وأعمال داخلية يستعمل ألفاظاً متعددة، ولا يردها كلها إلى لفظ الفطرة. إنه يتحدث عن النفس والقلب والصدر والهوى والشهوة والخشية والرغبة والرهبة والتقوى والفجور والذكر والنسيان والطمأنينة والزيغ والقسوة والمرض. وهذا التعدد ليس ترفاً لغوياً، بل يدل على أن الباطن الإنساني عند القرآن متعدد الوظائف والحالات.
﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ (الشمس: 7-10).
هذه الآيات من أهم الآيات الحاكمة في بناء الإنسان التربوي؛ لأنها لا تجعل داخل الإنسان طرفين اسمهما الفطرة والطبيعة، بل تبدأ بـ«النفس»، ثم «التسوية»، ثم قابلية إدراك مساري الفجور والتقوى، ثم تجعل المآل متعلقاً بالفعل التربوي: التزكية أو التدسية. إن الإنسان هنا ليس خيراً صافياً محبوساً في مادة شريرة، ولا طبيعةً مادية ينبغي سحقها، وإنما نفس مسواة قابلة لمسارين ومتعلقة بفعلها ومسؤوليتها.
ويؤكد ذلك قوله تعالى: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ (النازعات: 40). فالهوى ليس اسماً للطبيعة كلها، والنفس ليست هي الفطرة، والنهي ليس إلغاءً للرغبة الإنسانية. كما أن قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ (آل عمران: 14) لا يجعل الشهوات بذاتها «طبيعة مضادة للفطرة»، بل يعرض مجالاً من مجالات الابتلاء يمكن أن ينتظم أو يطغى. وحين يقول: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ (الأعراف: 31)، يثبت أن الاستجابة لحاجات الجسد ليست نقيضاً للهدى، وإنما تخضع للميزان.
خامساً: الإشكال في لفظ «الطبيعة» بوصفه مقابلاً قرآنياً
المشكلة الأشد في الثنائية ليست استعمال لفظ «الطبيعة» في ذاته، فاللغة البشرية يمكنها أن تصطلح على معان نافعة، وإنما المشكلة في إعطائه وظيفة قرآنية حاكمة ثم مقابلة الفطرة به. فالقرآن لا يقدم «الطبيعة» اسماً جامعاً للطرف الدنياوي أو الحيواني في الإنسان، ولا يرد في المدونة القرآنية تركيب «الفطرة والطبيعة» بوصفه قطبي تكوين الإنسان. لذلك يلزم التمييز بين «اجتهاد شارح» و«ثنائية مؤسسة». إذا استُعملت الطبيعة وصفاً تقريبياً لمجموعة من التعلقات فلا حرج من حيث المبدأ؛ أما إذا صارت ميزاناً تُقرأ به الآيات ويُفسر به الطفل ومراحل نموه والهوى والنفس، فقد انتقلت من أداة شرح إلى سلطة نظرية تحتاج إلى برهان.
وتظهر خطورة هذا الانتقال في قابلية المصطلح لجمع أشياء مختلفة تحت حكم واحد: الجسد، والرغبة، وحب اللعب، وحب التملك، والتعلق بالدنيا، والنفسانية، والشهوة، وطلب الاعتبار. غير أن القرآن لا يحكم على هذه الأشياء حكماً واحداً. فالمال «زينة» و«ابتلاء» وقد يكون خيراً إذا أقيم بحقه، والطعام نعمة، والزواج سكن، وحب الولد فتنة بالمعنى الاختباري لا الشر المحض، واللعب قد يكون وصفاً للدنيا إذا طغى على الغاية، لكنه ليس كل لعب الطفل مذموماً. لذا فإن جمع هذه الحقول المختلفة في «طبيعة» واحدة يعرض النظرية لخطر التسوية بين ما فرّق القرآن بينه.
سادساً: هل الفطرة «جهاز معرفة» مستقل عن البيان؟
من أكثر القضايا حساسية أن تتحول الفطرة من وصف للخلق إلى مصدر مستقل يكاد يغني الإنسان عن البيان. لا يدل القرآن على ذلك. بل يجعل بداية قصة الإنسان نفسها مرتبطة بالتعليم: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ (البقرة: 31)، ويجعل تعليم البيان من النعم المؤسسة: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ (الرحمن: 1-4). ثم يجعل الهدى المنزل شرطاً للمسير: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ (طه: 123).
لو كانت الفطرة وحدها نظام معرفة تفصيلياً كافياً، لكان حضور البيان والكتاب والرسل والذكر بهذا التركيز أقل تفسيراً. والأدق أن الفطرة والبيان يعملان في نظام واحد: خلق الله الإنسان على هيئة لها مناسبة بالحق، ثم علمه وبيّن له وأرسل إليه الهدى وابتلاه بالاختيار. وهذا يحرر الفطرة من وظيفتين زائدتين شائعتين: أن تكون «وحياً داخلياً» موازياً للوحي، أو أن تكون مخزناً جاهزاً لكل القيم التفصيلية.
سابعاً: الإنسان في القرآن شبكة لا ثنائية
إذا لم تكن «الفطرة والطبيعة» الثنائية الحاكمة، فما البديل؟ لا يحتاج منطق البيان إلى اختراع ثنائية بديلة، بل إلى حفظ تعدد المفاهيم القرآنية وربطها في شبكة ذات مراتب. ويمكن ترتيب العناصر الكبرى في سبع طبقات مترابطة.
1. الخلق والتسوية
يبدأ الإنسان مخلوقاً لا خالقاً لذاته: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ (الإنسان: 1). ثم تأتي التسوية: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ (الشمس: 7). ويمنع هذا الأصل تصور الإنسان منقسماً في أصل خلقه إلى جوهر خير خلقه الله وجانب آخر كأنه شر وجودي؛ فالخلق كله لله، والابتلاء يتعلق بكيفية الاستعمال والاتجاه.
2. النفس والقلب
النفس هي المحل الذي ينسب إليه الكسب والتزكية والتدسية والهوى والطمأنينة والأمر بالسوء واللوم. أما القلب فهو محل الفقه والإيمان والزيغ والمرض والقسوة والطمأنينة. إن مجرد وجود هذين الحقلين يجعل الاختزال في الفطرة والطبيعة فقيراً بالمقارنة مع المدونة. فالقرآن يقول: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ (الأعراف: 179)، ويقول: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ (البقرة: 10)، ويقول: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد: 28). وهذه أوصاف حركية قابلة للتغير، لا جوهرين ثابتين.
3. الفجور والتقوى والهوى
يقرر القرآن أن النفس تعرف إمكانَي الفجور والتقوى، ثم يضع الهوى في موضع يحتاج إلى النهي والميزان، لا إلى الإلغاء. ولذلك تكون التربية تعليماً للتمييز وضبطاً للاختيار، وليست تحرير جوهر خير من جوهر شر.
4. البيان والذكر والهدى
الإنسان محتاج إلى ما يأتيه من خارج ذاته: آيات تتلى، وكتاب يعلم، وذكر يذكّر، ورسول يبين، وهدى يتبع. وهذا يجعل العلاقة التربوية علاقة بيان وتذكير لا علاقة هندسة قسرية للباطن.
5. التزكية والتدسية
الزوج القرآني الأقرب إلى سؤال التربية الداخلية هو التزكية والتدسية، لا الفطرة والطبيعة. والتزكية لا تعني إضافة جوهر جديد إلى الإنسان، بل نماء النفس وتطهيرها وإقامتها على مقتضى الهدى، في مقابل دسها وإخفاء قابليتها للحق تحت ما يفسدها.
6. الابتلاء والرشد
لا يكتمل الإنسان التربوي بمجرد تلقي التعليم؛ لا بد من أن يُبتلى ويُختبر حتى يظهر رشده. وتكشف آية اليتامى نموذجاً تربوياً بالغ الدقة: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (النساء: 6). هنا انتقال من الرعاية إلى الاختبار، ثم من الاختبار إلى ملاحظة الرشد، ثم إلى التمكين. وهذا أقرب إلى قانون تربوي قرآني من تقسيم جامد للمراحل على أساس «الطبيعة والفطرة».
7. العبودية والقيام والمآل
العبودية غاية خلقية كبرى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: 56)، لكنها لا تعمل منفصلة عن القيام بالقسط والمآل والرضوان. فالتربية لا تصنع عابداً منقطعاً عن العدل، بل إنساناً يقوم لله شاهداً بالقسط، ويعلم أنه راجع إليه ومحاسب على عمله.
ثامناً: إعادة قراءة نقاط القوة عند حائري الشيرازي
النقد المنهجي لا يقتضي إسقاط ما أصابه الشيخ. بل تكشف الموازنة أن بعض أفضل أفكاره يمكن تثبيتها قرآنياً من غير الحاجة إلى ثنائية الفطرة والطبيعة.
1. التربية تحول لا نقل معلومات
يرى الشيخ أن التعليم قد يكون انتقال علم، أما التربية فتحول وإخراج من القوة إلى الفعل. وقد نُقلت عنه هذه الصياغة في مواد «راه رشد». الجزء الأول من الفكرة قوي: القرآن لا يساوي بين العلم والهداية، ولا بين المعرفة اللفظية والتزكية. لكنه حين يحدد الوظيفة النبوية يجمع: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (الجمعة: 2). ومن ثم يمكن حفظ مقصود الشيخ مع تحرير لغته: التربية ليست «تحويل بالقوة إلى الفعل» بقدر ما هي تعليم وتزكية وتهذيب للاختيار حتى يصير العلم عملاً وقياماً.
2. المربي لا يصنع الإنسان
تشبيه المربي بالبستاني من أنفع تشبيهات الشيخ؛ لأن المربي يهيئ شروط النمو ولا يخلق الحياة في المتربي. ويجد هذا المعنى أساساً قرآنياً قوياً في مريم: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ (آل عمران: 37). فالإنبات من الله والكفالة لزكريا. ويمكن من هذه الآية صياغة قاعدة: وظيفة المربي كفالة الإنبات لا ادعاء خلقه.
3. رفض تثبيت هوية الشر على الطفل
قول الشيخ بعدم وصف الطفل المخطئ بأنه «سيئ» بصيرة تربوية صحيحة في أصلها، لأن السلوك العارض لا يساوي الهوية النهائية. لكن التعليل لا يحتاج إلى القول بأن «طبيعته» هي التي ظهرت؛ يكفي البناء القرآني الذي يجعل الإنسان في طور تعلم وابتلاء وتزكية، ويجعل التوبة والإصلاح والتحول ممكنة. بذلك يصبح الحكم على الفعل من غير إغلاق مستقبل الفاعل.
4. الحرية وعدم الإكراه
تؤكد الدراسة الحديثة أن الحرية وتجنب الإكراه من أصول الشيخ التربوية (إسفندياري وتهوري، 2025، صص. 185-217). وهذا قريب من تحديد القرآن لوظيفة الرسول: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ (الغاشية: 21-22). لكن عدم السيطرة لا يعني إلغاء التكليف التربوي؛ فالقرآن يقول: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ (طه: 132). والميزان هو بيان وأمر وصبر وقدوة بلا استيلاء على إرادة المتربي.
تاسعاً: نقد المراحل الثلاث في ضوء المدونة القرآنية
يستند حائري الشيرازي في تفسير مراحل الطفل إلى الأخبار المشهورة في تقسيم الواحد والعشرين عاماً إلى ثلاث سباعيات، ثم يقرأها على ضوء الطبيعة والفطرة. والإشكال هنا ليس في إمكان وجود مراحل نمو، فالقرآن نفسه يميز الطفل وبلوغ الحلم وبلوغ النكاح وبلوغ الأشد. لكن تحويل «السبع» إلى قانون تربوي عام يحتاج إلى تحقيق الرواية سنداً ودلالة وإلى بيان علاقتها بالتفاوت الفردي والبيئي.
أما القرآن فيقدم معياراً وظيفياً لا زمنياً فقط. ففي النساء: 6 يجمع البلوغ مع «إيناس الرشد»؛ فلا يكفي السن وحده لدفع المال. وهذا يعني أن التربية القرآنية تستعمل العلامة العمرية لكنها لا تستغني بها عن التحقق من الرشد. ومن ثم يمكن إعادة بناء مراحل التربية على مؤشرات قرآنية: طور الرعاية والكفالة، ثم طور التعليم والمشاركة، ثم طور الابتلاء واختبار المسؤولية، ثم طور الرشد والتمكين. هذه المراحل قد تتقاطع مع الأعمار، لكنها لا تُحبس في أرقام جامدة.
عاشراً: الفطرة والشر: هل الشر وافد دائماً من الخارج؟
يمكن لخطاب الفطرة إذا توسع بلا ضبط أن يؤدي إلى تصور أن الإنسان خير من الداخل، وأن الشر يأتيه من «الطبيعة» أو المجتمع أو الخارج. لكن القرآن أكثر تركيباً. فهو يقول: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ (يوسف: 53)، ويقول: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ (يوسف: 18)، وفي الوقت نفسه يجعل الشيطان موسوساً لا قاهراً، ويجعل المجتمع قادراً على الإضلال، لكنه يبقي المسؤولية على اختيار الإنسان.
لذلك لا ينبغي أن يُبنى علم التربية على أصل «الخير الداخلي مقابل الشر الخارجي». الأدق أن الإنسان مخلوق على فطرة الله ومسوّى ومهيأ للهدى، لكنه قابل للفجور والتقوى، ويتعرض للهوى والوسوسة والضغط الاجتماعي، ثم يحاسب على كسبه. وهذه الصيغة تحفظ كرامة الإنسان ومسؤوليته معاً.
الحادي عشر: الفطرة والتوحيد: من الاستعداد إلى الاستجابة
ترتبط الفطرة في التراث الإسلامي بالتوحيد ارتباطاً وثيقاً، وقد توسعت دراسات عقدية معاصرة في إثبات معرفة الله الفطرية (الشهراني، 2022، صص. 242-277؛ الظفيري، 2024، صص. 1-52). غير أن البحث البياني يميز بين ثلاثة مستويات: خلق الإنسان على هيئة مناسبة للحق، ووجود آيات في النفس والآفاق تستدعي التعرف، ووصول البيان والذكر الذي يطلب الاستجابة. لا يثبت من آية الروم وحدها أن كل إنسان يحمل معرفة تصورية تفصيلية مكتملة بالله، كما لا يثبت نقيض ذلك. الذي يثبت أن الدين القيم متوافق مع خلق الله الذي فطر الناس عليه.
ويحمي هذا التمييز التربية الدينية من خطأين: خطأ الافتراض أن الطفل «يعرف كل شيء في داخله» فلا يحتاج إلا إلى التحرير، وخطأ التعامل معه كصفحة خالية تصنعها المؤسسة. الطفل مخلوق ذو قابلية وبنية، لكنه يحتاج إلى تعليم وبيان ومشاهدة وقدوة وتجربة وابتلاء.
الثاني عشر: من «حاكمية الفطرة» إلى «حاكمية الهدى»
يكثر في خطاب الشيخ تعبير حاكمية الفطرة على الطبيعة. ويمكن فهم المقصود أخلاقياً، لكنه قرآنياً يحتاج إلى تصحيح في مركز السلطة: القرآن يجعل الحاكم هو الله وهداه وكتابه وميزانه، لا «الفطرة» بوصفها ذاتاً مستقلة. الفطرة نفسها مخلوقة لله، وقد يجهل الإنسان مقتضاها أو يطمسها أو يسيء تفسير دوافعه. لذلك لا يكون المعيار: «ما تقوله فطرتي» بإطلاق، بل ما يظهر من توافق الخلق والهدى والحق والميزان.
هذا التحول مهم تربوياً؛ لأنه يمنع الذات من أن تصبح حَكَماً نهائياً باسم الفطرة. فقد يظن الإنسان أن ميلاً ما فطري وهو هوى، أو أن نفوره من تكليف دليل على منافاته للفطرة، مع أن القرآن يجعل الابتلاء والتكليف جزءاً من طريق العبودية. فالفطرة ليست ميزاناً مستقلاً عن الوحي، وإنما هي ضمن نظام الخلق الذي يفسره الهدى.
الثالث عشر: النموذج المقترح للإنسان التربوي في منطق البيان
يمكن بعد النقد السابق بناء نموذج بديل لا يرفض لفظ الفطرة ولا يضخمه. ويقوم هذا النموذج على تسع حركات متتابعة مترابطة:
المرحلة | المفهوم الحاكم | وظيفته التربوية |
|---|---|---|
1 | الخلق والفطرة | الإنسان مخلوق على خلق الله، وليس مادة بلا بنية. |
2 | التسوية | النفس مسواة وقابلة لمساري الفجور والتقوى. |
3 | التعليم والبيان | لا يكفي الخلق الأول؛ يتلقى الإنسان الاسم والبيان والكتاب والحكمة. |
4 | الذكر والهدى | يُستدعى ما ينبغي أن يعيه الإنسان ويُبيَّن له الطريق. |
5 | الاختيار | لا معنى للتربية من دون إرادة ومسؤولية. |
6 | التزكية | يُنمّي الإنسان نفسه ويطهرها من التدسية والهوى الطاغي. |
7 | الابتلاء | تُختبر القدرة على حمل المسؤولية في الواقع. |
8 | الرشد والقيام | ينتقل المتربي من الكفالة إلى القيام بنفسه وبالقسط. |
9 | المآل والرضوان | يظل العمل مربوطاً بما يصير إليه الإنسان أمام الله. |
تُظهر هذه الخريطة أن الفطرة تبقى في البداية بوصفها وصفاً للخلق، لكنها لا تبتلع سائر المفاهيم. كما تُظهر أن التربية ليست صراعاً بين جوهرين، بل حركة من الخلق إلى البيان ومن البيان إلى الاختيار ومن الاختيار إلى التزكية والابتلاء والرشد والقيام.
الرابع عشر: إعادة تعريف التربية في ضوء النموذج
إذا أُعيد بناء الإنسان بهذه الطريقة، أمكن تعريف التربية تعريفاً قرآنياً أدق: «التربية تعهد نشأة الإنسان وكفالته وتعليمه وتذكيره وتهيئة شروط اختباره حتى يزكي نفسه ويبلغ رشده ويقوم بما حمّله الله من عبودية وقسط متجهاً إلى المآل والرضوان».
يفترق هذا التعريف عن تعريفات «إخراج القوة إلى الفعل» في أربعة أمور. أولاً، يستمد مفرداته من المدونة القرآنية. ثانياً، لا يجعل المربي فاعل التحول الوحيد، بل يثبت فعل المتربي نفسه في التزكية والاختيار. ثالثاً، يربط التربية بالابتلاء الواقعي، فلا تبقى أخلاقاً داخلية فقط. رابعاً، يربط الغاية بالمآل والقيام لا بمفهوم مجرد هو «الكمال».
الخامس عشر: النتائج النقدية في نظرية حائري الشيرازي
يمكن تلخيص الحكم العلمي في المشروع في مجموعة نتائج مترابطة. أولاً، ثنائية الفطرة والطبيعة عند حائري الشيرازي ذات وظيفة تأسيسية حقيقية وليست مجرد أسلوب بلاغي، وهو ما تؤكده بنية «راه رشد» والدراسة التحليلية الحديثة لأفكاره (حائري الشيرازي، 2023أ، ج1، ص. 78؛ إسفندياري وتهوري، 2025، صص. 185-217). ثانياً، لفظ الفطرة قرآني، لكن مقابله «الطبيعة» ليس ثنائياً قرآنياً مسمى. ثالثاً، لا يجوز استنتاج أن كل ما هو محمود في الباطن «فطرة» وكل ما هو دنياوي «طبيعة»؛ لأن القرآن يوزع هذه الحقول على مفاهيم متعددة.
رابعاً، تحتاج النظرية إلى نقل مركز التحليل من الفطرة والطبيعة إلى النفس والتسوية والفجور والتقوى والهوى والهدى والتزكية. خامساً، لا تُلغى الفطرة، بل تُضبط: هي خلق الله الذي فطر الناس عليه، وله مناسبة بالدين القيم، لكنها ليست مصدراً تفصيلياً بديلاً عن البيان. سادساً، تصح جملة من تطبيقات الشيخ بعد إعادة تعليلها قرآنياً، مثل احترام الطفل وعدم تثبيت الشر عليه والحرية والقدوة ومسؤولية المربي والتدرج في تحمل المسؤولية. سابعاً، تحتاج المراحل السبعية إلى إبقائها في دائرة البحث الروائي والتربوي، وعدم جعلها قانوناً قرآنياً ما لم يدل القرآن على ذلك.
الخاتمة
تكشف دراسة ثنائية «الفطرة والطبيعة» عند الشيخ محيي الدين حائري الشيرازي عن قيمة مشروعه وعن حدوده في وقت واحد. فقيمته أنه رفض أن تكون التربية الإسلامية مجرد ترجمة لنظريات جاهزة، وحاول أن يعود إلى القرآن والروايات ليبني تصوراً للإنسان والمربي والطفل. كما التقط حقائق تربوية مهمة: أن المتربي ليس مادة ميتة، وأن القسر لا يصنع إنساناً راشداً، وأن المربي يحتاج إلى إصلاح نفسه، وأن المسؤولية ينبغي أن تنمو تدريجاً، وأن العبادة ليست ملحقاً بالتربية بل غاية من غاياتها الكبرى.
لكن قوة المقصد لا تعفي البناء من الاختبار. وعند هذا الاختبار يظهر أن «الفطرة» في القرآن أضيق من بعض ما حُمّل عليها في النظرية، وأن «الطبيعة» ليست مقابلاً قرآنياً مسمى لها، وأن داخل الإنسان القرآني أغنى من ثنائية الخير الفطري والرغبة الطبيعية. إن القرآن يعرض نفساً مسواة، وقلباً يفقه أو يقسو، وهوى يحتاج إلى نهي، وشهوة تدخل في الميزان، وهدى يأتي من الله، وذكراً يوقظ، وتزكية تنمي، وابتلاء يكشف، ورشداً يُتحقق منه، وعبودية وقياماً ومآلاً.
ومن هنا لا تكون الخطوة التالية هدم مشروع حائري الشيرازي، بل تحريره مما لا يثبت حاكميته قرآنياً وإعادة وصل بصائره بشبكة القرآن. فيتحول السؤال من: كيف نحرر الفطرة من الطبيعة؟ إلى: كيف يُعلَّم الإنسان ويُذكَّر ويُزكّى ويُبتلى حتى يبلغ الرشد ويقوم بالقسط ويتجه إلى رضوان الله؟ بهذا الانتقال لا تعود الفطرة «نظرية كاملة في الإنسان»، بل تأخذ موضعها الصحيح في نظام أوسع: الخلق ثم البيان ثم الهدى ثم الاختيار ثم التزكية ثم الابتلاء ثم الرشد ثم القيام ثم المآل. وهذه البنية أصلح لبناء علم تربية قرآني؛ لأنها لا تستدعي الآيات لتصديق نموذج سابق، بل تبدأ من مفاهيم القرآن نفسه وتترك للنص أن يحدد خريطة الإنسان وحدود المصطلح.
السادس عشر: الفطرة بين الخلق والدين والحنيفية
يقتضي تحرير مفهوم الفطرة عدم انتزاعه من التركيب الذي ورد فيه. فآية الروم لا تقول: «الناس مفطورون على الخير» بصيغة مطلقة، ولا تقول: «في داخل الإنسان فطرة تقابل طبيعته»، وإنما تأمر بإقامة الوجه للدين حنيفاً ثم تصف ذلك بأنه فطرة الله التي فطر الناس عليها. ولذلك فالعلاقة الأصلية ثلاثية: خلق إلهي، ودين قيم، واتجاه حنيفي. إن الفطرة هنا ليست طرفاً مستقلاً، بل رابطة بين أصل الخلق ومقتضى الاستقامة. ومن ثم يكون السؤال التربوي: كيف يُحفظ هذا التوافق بين الخلق والهدى؟ لا: كيف تنتصر قوة داخلية اسمها الفطرة على قوة أخرى اسمها الطبيعة؟
ويزداد هذا المعنى وضوحاً من قوله تعالى عقبها: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (الروم: 31). فالآية التالية تفسر حركة الفطرة بالإنابة والتقوى وإقامة الصلاة ومفارقة الشرك. وإذا كانت الفطرة وحدها كافية في توجيه الإنسان تفصيلاً لما احتيج إلى هذا البيان العملي المباشر. وهذا يؤكد أن الفطرة لا تعمل خارج نظام التكليف، بل في داخله.
وتسمح هذه القراءة أيضاً بإعادة فهم «لا تبديل لخلق الله». فالنص لا يعني أن السلوك الإنساني لا يتغير، ولا أن الإنسان لا يضل، بل إن سياق السورة نفسه يثبت إمكان الشرك والانقسام. إن عدم تبديل الخلق يعني ثبات الأصل الذي خلق الله الناس عليه، بينما يبقى الإنسان قادراً على الاستجابة أو الإعراض. ولهذا تلتقي الفطرة مع المسؤولية بدل أن تلغيها.
السابع عشر: لماذا لا تكفي ثنائية «الروح والجسد» لتفسير الفطرة والطبيعة؟
قد يُدافع عن ثنائية حائري الشيرازي بالقول إن «الطبيعة» لا يراد بها إلا الجانب الجسدي، وإن «الفطرة» تشير إلى الجانب الروحي. غير أن هذا الدفاع يواجه صعوبة قرآنية؛ فالقرآن لا يعامل الجسد بوصفه خصماً للهدى. الجسد مخلوق ومكرم وله حقوقه، والطعام واللباس والزواج والنوم والحركة ليست عوائق في ذاتها، وإنما تقع المشكلة في الطغيان والإسراف والهوى والعدوان. فإذا حُملت الطبيعة على الجسد نشأ تضاد لا يثبته القرآن، وإذا حُملت على الهوى والتعلقات صارت لفظاً جامعاً لمفاهيم متعددة تحتاج إلى تفصيل.
كما أن «الروح» في القرآن لا تستعمل اسماً جامعاً للشخصية الأخلاقية الخيرة على النحو الشائع في بعض الخطابات. فالقرآن يجعل مدار التكليف على النفس والقلب والعمل والكسب. ومن ثم فإن بناء التربية على روح خيرة وجسد دافع إلى الدنيا لا يوازي الدقة القرآنية. الأدق أن الإنسان وحدة مخلوقة، فيها حاجات مشروعة وقابلية للانحراف، وتخضع كلها للهدى والميزان.
الثامن عشر: التربية البيانية بين التذكير والتكوين
من أهم ما يكشفه القرآن أن التربية لا تقع في أحد قطبين متقابلين: التذكير بما هو موجود سلفاً في الباطن، أو تكوين الإنسان من الخارج. فالرسول «مذكّر»، لكنه أيضاً «معلّم» و«مزكٍّ» و«مبين». وهذا الجمع يمنع تصور التربية على أنها كشف الفطرة فقط. فهناك ما يحتاج إلى أن يُعلّم لأول مرة، وما يحتاج إلى أن يُذكّر به بعد علمه، وما يحتاج إلى أن يُمارس حتى يصير خلقاً، وما يحتاج إلى أن يُختبر في الواقع.
وبهذا يظهر أن لفظ «التربية الفطرية» إذا أُريد به احترام بنية الإنسان وعدم قسره على ما يناقض خلقه فهو معنى مقبول، أما إذا أُريد به الاقتصار على إخراج ما هو كامناً سلفاً فهو أضيق من المدونة. فالقرآن يضيف إلى الداخل الإنساني تعليماً وتنزيلاً وبياناً وأمراً ونهياً وحكمة ومثلاً وقصة واعتباراً. الإنسان يتكوّن في حوار بين خلقه الأول وما يتلقاه من هدى وما يختاره من فعل.
التاسع عشر: من التربية القائمة على التشخيص إلى التربية القائمة على الحكم
تكشف ثنائية الفطرة والطبيعة ميلاً إلى تشخيص سلوك الطفل عبر سؤال: أي الطرفين ظهر الآن؟ أما منهج البيان فيقترح سؤالاً أدق: ما الفعل؟ وما سببه؟ وما حكمه؟ وما وزنه؟ وما أثره؟ وما المآل الذي يقود إليه؟ ثم ما الإجراء التربوي المناسب؟ فقد يكون الفعل الواحد ناشئاً من جهل أو تقليد أو خوف أو شهوة أو غضب أو طلب قبول أو اختبار حدود، ولا يصح رد جميع هذه الأسباب إلى «الطبيعة».
وبذلك ينتقل المربي من تسمية داخل الطفل إلى قراءة شبكة السلوك. فإذا كذب الطفل مثلاً، لا يكفي القول إن طبيعته ظهرت؛ بل يُنظر: هل خاف العقوبة؟ هل تعلم الكذب من قدوة؟ هل أراد منفعة؟ هل لم يدرك قبح الفعل؟ ثم يأتي البيان والإصلاح بما يناسب السبب. هذا المنهج أدق تربوياً وأقرب إلى القرآن؛ لأن القرآن نفسه يفرق بين الجهل والعمد والنفاق والإكراه والخطأ والنسيان والتوبة.
العشرون: ميزان قبول نظرية الفطرة والطبيعة
يمكن بعد التحليل تحديد أربعة مستويات للحكم على النظرية. المستوى الأول لغوي: لفظ «الفطرة» قرآني، ولفظ «الطبيعة» عربي مستعمل، لكن اجتماعهما كثنائية حاكمة ليس قرآنياً. المستوى الثاني دلالي: بعض المعاني التي ينسبها الشيخ إلى الفطرة يمكن إثباتها بآيات أخرى، لكن لا يلزم أن تكون داخلة في مدلول لفظ الفطرة نفسه. المستوى الثالث تركيبي: تحويل الثنائية إلى خريطة كاملة للإنسان يتجاوز مقدار النص. المستوى الرابع تطبيقي: بعض النتائج التربوية الناتجة عنها صحيحة أو نافعة، لكن صحة النتيجة لا تثبت بالضرورة صحة الأصل النظري الذي استُخرجت منه.
وهذا التفريق ضروري في النقد العلمي؛ لأن النظريات لا تُقبل أو تُرفض دفعة واحدة. قد يكون في النظرية حدس صحيح وتعليل غير محكم، أو أصل صحيح وتوسيع زائد، أو مثال تربوي نافع ومفهوم حاكم غير ثابت. ولذلك يكون الحكم على حائري الشيرازي مركباً: حفظ بصائره العملية، وتصحيح مركزها النظري، ورد الحاكمية إلى المدونة القرآنية.
الحادي والعشرون: اعتراضات محتملة والجواب عنها
الاعتراض الأول: القرآن لا يذكر كل المصطلحات، فلماذا يُشترط اللفظ القرآني؟
لا يشترط منطق البيان أن تكون كل كلمة في العلم واردة في القرآن، وإلا تعذر التعبير عن كثير من الجزئيات. إنما يشترط ألا يتحول مصطلح غير قرآني إلى أصل حاكم على القرآن قبل تحريره. يمكن استعمال «الطبيعة» بوصفها لفظاً شارحاً، لكن لا يصح افتراض ثنائية كبرى ثم إعادة تفسير النفس والهوى والشهوة والتقوى بها من غير اختبار.
الاعتراض الثاني: أليست الفطرة هي الإسلام بحسب الروايات؟
حتى مع قبول تفسير الفطرة بالإسلام، لا يلزم منه وجود «طبيعة» مقابلة لها. بل يقوى الارتباط بين الفطرة والدين ويظل المطلوب تفسير سائر دوافع الإنسان بألفاظها القرآنية. كما أن التفسير الروائي لا يجيز تلقائياً ضم كل نزعة خيرة إلى الفطرة وإخراج كل حاجة جسدية إلى الطبيعة.
الاعتراض الثالث: أليس الاختزال ضرورياً لبناء نظرية قابلة للتعليم؟
التبسيط التعليمي مشروع ما دام معلناً بوصفه تبسيطاً، لكنه يصبح مشكلة حين يُعامل كأنه صورة الحقيقة ذاتها. ويمكن بناء نموذج تعليمي واضح من شبكة القرآن من غير ردها إلى ثنائية: نفس مسواة، وهدى مبين، وهوى يحتاج إلى ضبط، وتزكية، وابتلاء، ورشد. هذا النموذج أبسط من مجموع المدونة لكنه لا يمحو الفروق الأصلية.
الاعتراض الرابع: أليست ثنائية الفطرة والطبيعة مجرد تعبير آخر عن التقوى والفجور؟
لو كانت مرادفة لهما لما احتيج إلى المصطلحين الجديدين، لكن الفرق جوهري. الفجور والتقوى مساران أو وجهتان تتعلقان بالنفس والعمل، أما الفطرة والطبيعة في خطاب الشيخ فتبدوان مكوّنين داخليين متقابلين. كما أن «الطبيعة» قد تشمل حاجات مباحة لا يصح تسميتها فجوراً. لذلك لا يصح الترادف.
الثاني والعشرون: الآثار العملية لإعادة البناء
يغيّر النموذج المقترح طريقة التعامل مع الطفل والأسرة والمدرسة. في الأسرة، ينتقل الوالدان من محاولة «كسر الطبيعة» أو «إطلاق الفطرة» إلى التعليم بالقدوة والبيان وضبط الحدود وإعطاء المسؤولية بحسب الرشد. وفي المدرسة، لا يُصنف الطالب أخلاقياً من سلوك واحد، بل يُدرس مسار التعلم والاختيار والسياق. وفي التربية الدينية، لا يُفترض أن الإيمان سيظهر تلقائياً إذا أزيلت الموانع، بل يُعطى الطفل بياناً يناسبه ويُربط بالآيات والعبادة والممارسة والذكر.
كما يغير النموذج معنى النجاح التربوي. النجاح ليس طفلاً هادئاً مطيعاً في حضور المربي، بل إنساناً يستطيع أن يختار الحق حين يغيب الرقيب، وأن يحمل المسؤولية، وأن يرجع إذا أخطأ، وأن يزن رغباته بالهدى. وهذا يفسر مركزية «الرشد»؛ فالرشد علامة على أن التربية انتقلت من السيطرة الخارجية إلى قيام المتربي بنفسه.
المصادر والمراجع
القرآن الكريم.
إسفندياري، محمد طه، وتهوري، حامد. (2025). نوآوريهاي انديشه تربيتی آيتالله حائری شيرازی. التربية الإسلامية، 20(54)، 185-217. https://doi.org/10.30471/edu.2026.11322.3097
حائري الشيرازي، محيي الدين. (2023أ). راه رشد: الگوی دینی تربیت کودک و نوجوان (ج1). قم: دفتر نشر معارف. ISBN 9786004415392.
حائري الشيرازي، محيي الدين. (2023ب). راه رشد: الگوی دینی تربیت کودک و نوجوان (ج2). قم: دفتر نشر معارف. ISBN 9786004415408.
حائري الشيرازي، محيي الدين. (2021). مربی و تربیت (ط5). قم: دفتر نشر معارف. ISBN 9789645316097.
الظفيري، خالد ضحوي. (2024). الفطرة: أدلتها ومعناها. حولية كلية الدعوة الإسلامية بالقاهرة، 22(39)، 1-52. https://doi.org/10.21608/bfdc.2024.362616
الشهراني، سعد بن علي محمد. (2022). الفطرة في القرآن الكريم والعلم الحديث. مجلة الدراسات الإسلامية، 10(1)، 242-277.
المخلف، إبراهيم بن خالد. (2015). الفطرة: معانيها ومكملاتها ومفسداتها: دراسة موضوعية في القرآن الكريم. مجلة مركز بحوث القرآن الكريم والسنة النبوية، (2)، 81-120.
مهنّا، هنادي عيسى. (2019). مجالات الفطرة: دراسة تحليلية في ضوء القرآن الكريم. مجلة العلوم الإنسانية والاجتماعية، 3(6)، 1-18. https://doi.org/10.26389/AJSRP.H071217