مادة رقم 10019 · النص الكامل

حاكميّة القرآن على مفهوم «المقدَّس»

من تفكيك المصطلح الحديث إلى تحرير «نظام الحرمة والتقديس»

بإشراف الدكتور ابن عباس العاملي. الأبحاث أوليّة وغير مكتملة، ومفتوحة للمراجعة العلمية.

فهرس النص · Contents
  1. حاكميّة القرآن على مفهوم «المقدَّس»
  2. من تفكيك المصطلح الحديث إلى تحرير «نظام الحرمة والتقديس»
  3. د. ابن عبّاس العاملي
  4. الملخّص
  5. 1. مقدّمة: من سؤال «ما المقدّس؟» إلى سؤال «كيف يبني القرآن مجال الحرمة والتقديس؟»
  6. 2. حاكميّة القرآن على المفاهيم: الأساس المنهجي
  7. 2.1. المصطلح الحديث ليس بريئاً من بنيته النظرية
  8. 2.2. الاستنفاد قبل الحكم
  9. 2.3. مدونة الدراسة ووحدات القياس
  10. 3. تحرير مفهوم «المقدس» في الدراسات الحديثة
  11. 3.1. التصور الاجتماعي: الفصل والمحظور والجماعة عند دوركايم
  12. 3.2. التصور الوجداني: المهابة والغموض عند أوتو
  13. 3.3. التصور الظهوري: تجلي المقدس وبناء المكان والزمان عند إلياده
  14. 3.4. النقد التاريخي للمقولات الكلية: أسد وسميث
  15. 3.5. حصيلة التصورات الحديثة
  16. 4. تحرير المجال القرآني: من النواة اللفظية إلى النظام
  17. 4.1. ق د س: النواة الصريحة وليست اسم المجال كله
  18. 4.2. الله القدوس: المرجع الأعلى لا فرد من جنس «المقدسات»
  19. 4.3. الحرمة: مجال المنع المخصوص مع ضرورة الفصل عن مطلق التحريم
  20. 4.4. الشعائر وحرمات الله: الإضافة والتعظيم وعدم الإحلال
  21. 4.5. الاختصاص الإلهي: مفهوم تحليلي مستخرج من الأفعال والعلاقات
  22. 4.6. البركة: خير إلهي ثابت لا مرادف للتقديس
  23. 4.7. الطهارة والتطهير: شرط أو وصف أو اصطفاء لا مساواة بالتقديس
  24. 4.8. الأمن والهدى والقيام والسلام: غايات تمنع اختزال المجال في الانفصال
  25. 4.9. المكان والزمان والكتاب والشخص: تفاوت جهات الاختصاص
  26. 4.10. الحد النقدي: القرآن لا يثبت حق الإنسان في اختراع الحرمة الدينية
  27. 5. المقارنة والمقابلة والمباينة: أين يلتقي «المقدس» الحديث بنظام الحرمة والتقديس وأين يفترق؟
  28. 5.1. ثنائية «المقدس/المدنس»: إشكال في المفهوم والترجمة
  29. 5.2. من الجوهر إلى العلاقة
  30. 5.3. من القسمة الكلية إلى النظام المتدرج
  31. 5.4. من الانفصال إلى الوظيفة
  32. 6. آثار إعادة التحرير في التفسير والفقه والدراسات المقارنة
  33. 6.1. في التفسير: منع التفسير بالمصطلح السابق على النص
  34. 6.2. في أصول الفقه: التمييز بين الحكم التكليفي والحرمة الشعائرية
  35. 6.3. في دراسة الشعائر: من الشيء إلى شبكة الفعل
  36. 6.4. في الدراسات المقارنة للأديان: بناء المقارنة بعد تحرير لغة كل نص
  37. 6.5. في الترجمة: لا مساواة آلية بين «مقدس» و«حرام» و«مبارك» و«مطهر»
  38. 6.6. في الاجتماع والسياسة: من وصف التقديس إلى نقد ادعاء الشرعية
  39. 7. إعادة البناء: «نظام الحرمة والتقديس» بوصفه الاسم الأدق للمجال القرآني
  40. 7.1. لماذا «نظام» لا «قائمة»؟
  41. 7.2. تعريف مقترح
  42. 7.3. اختبار من ست خطوات لاستعمال مصطلح «المقدس» في البحث القرآني
  43. 7.4. طبقتان للمصطلحات: قرآنية أولى وبحثية ثانية
  44. 8. نتائج تفصيلية واختبارات مضادة
  45. 8.1. الاختبار الأول: هل كل محظور مقدس؟
  46. 8.2. الاختبار الثاني: هل كل مبارك مقدس؟
  47. 8.3. الاختبار الثالث: هل كل مطهر مقدس؟
  48. 8.4. الاختبار الرابع: هل كل ما سماه الخطاب الحديث «مقدساً» يسميه القرآن كذلك؟
  49. 8.5. الاختبار الخامس: هل يمكن أن ينشئ المجتمع حرمة دينية صحيحة؟
  50. 9. الخاتمة
  51. الخلاصات المحكمة
  52. المصادر والمراجع
  53. أولاً: المصدر الأولي والمصادر العربية
  54. ثانياً: المراجع الأجنبية
  55. ملحق: الخريطة الحاكمة لنظام الحرمة والتقديس

حاكميّة القرآن على مفهوم «المقدَّس»

من تفكيك المصطلح الحديث إلى تحرير «نظام الحرمة والتقديس»

دراسة استقرائية تحليلية مقارنة في المجال والمفاهيم والاستعمالات والآثار

د. ابن عبّاس العاملي

الملخّص

تبحث هذه الدراسة في صلاحية «المقدّس» بوصفه مفهوماً جامعاً لقراءة القرآن، وتنطلق من قاعدة حاكميّة القرآن على المفاهيم: فلا يُحمل اللفظ الحديث على النص ثم تُنتقى له الشواهد، بل تُستنفد الألفاظ والعلاقات القرآنية ذات الصلة ثم يُعرض المصطلح الحديث عليها. وبناءً على «المدونة القرآنية لنظام الحرمة والتقديس» استُنفد جذر ق د س في عشرة مواضع، وجذر ح ر م في إحدى وسبعين آية مع فصل تسع وعشرين آية تدخل في الحرمة المكانية والزمانية والشعائرية عن مواضع التحريم العام والحرمان، واستُنفد جذرا ب ر ك وط ه ر بوصفهما حقلين وازرين، وجُمعت الآيات المؤسسة في الشعائر والحرمات والتعظيم والجعل والأمن والبيت والزمان المختص والحد النقدي للتحريم المخترع. وتقارن الدراسة هذه الشبكة بأربعة اتجاهات مؤثرة في الدراسات الحديثة: الاتجاه الاجتماعي الذي يجعل الفصل بين المقدس وغير المقدس سمةً مميزة للدين، والاتجاه الوجداني الذي يركز على رهبة الحضور الديني وغموضه، والاتجاه الظهوري الذي يجعل تجلي المقدس منشئاً للمكان والزمان الدينيين، والاتجاه التاريخي النقدي الذي يحذر من تحويل مقولات نشأت في تاريخ مخصوص إلى كليات عابرة للسياقات. وتخلص الدراسة إلى أن القرآن لا يقدم «المقدس» اسماً جنسياً كلياً يقابل «غير المقدس»، ولا يجعل البركة أو الطهارة أو مطلق التحريم مرادفات للتقديس. بل يبني نظاماً علائقياً متدرجاً يبدأ بالله القدوس والتقديس له، ثم يثبت خصوصيات الأشياء والأمكنة والأزمنة والشعائر بالجعل والإضافة والوصف والإذن والتحريم الإلهي، ثم يرتب عليها التعظيم وعدم الإحلال وعدم الاعتداء والذكر والعبادة والطواف والتطهير، ويصل هذه البنية بالهدى والأمن والقيام للناس والسلام. وتقترح الدراسة «نظام الحرمة والتقديس» اسماً بحثياً أدق للمجال القرآني، مع إبقاء «المقدس» أداة وصف من الدرجة الثانية لا مصطلحاً قرآنياً حاكماً.

الكلمات المفتاحية: حاكميّة القرآن على المفاهيم، المقدّس، الحرمة، التقديس، الشعائر، البركة، الطهارة، الاستنفاد البياني، الدلالة القرآنية.

ملاحظة توثيقية: تحيل أرقام الصفحات في الإحالات إلى الطبعات المثبتة في لائحة المصادر والمراجع، لا إلى ترقيم عارض إلكتروني. وتُعامل الآيات القرآنية بوصفها مادة المدونة الأولية، أما المصادر اللغوية والنظرية فوظيفتها الضبط والمقارنة لا إنشاء الدلالة القرآنية من خارج النص.

1. مقدّمة: من سؤال «ما المقدّس؟» إلى سؤال «كيف يبني القرآن مجال الحرمة والتقديس؟»

يبدو سؤال «ما المقدّس في القرآن؟» لأول وهلة سؤالاً مباشراً، غير أن مباشرته تخفي افتراضاً منهجياً خطراً: يفترض السؤال قبل الاستقراء أن «المقدّس» اسم جامع قائم في القرآن على النحو الذي يعمل به في الدراسات الحديثة للدين. فإذا سُلِّم بهذا الافتراض صار عمل الباحث أن يبحث عن مصاديق المفهوم الجاهز: أماكن مقدسة وأزمنة مقدسة وأشخاص مقدسون وكتب مقدسة وشعائر مقدسة. وعندئذٍ يُعاد ترتيب القرآن داخل تصنيف سابق عليه، بدلاً من أن يُسأل القرآن عن طريقته الخاصة في تسمية هذه الظواهر وربط بعضها ببعض وإقامة الحدود بينها.

تقتضي حاكميّة القرآن على المفاهيم قلب هذه الحركة. فلا تبدأ الدراسة بتعريف اصطلاحي للمقدس ثم تُنزله على القرآن، بل تبدأ بالمدونة: ما الألفاظ التي استعملها القرآن؟ وما صيغها؟ وما الأشياء التي أسند إليها كل وصف؟ وما الأفعال الإلهية التي تنشئ الخصوصية؟ وما الأوامر والنواهي التي تنتج منها؟ وما الحقول التي تجاورها دون أن تساويها؟ وما الآيات التي تمنع الإنسان من إنشاء التحريم الديني بغير إذن؟ وحين تكتمل هذه الشبكة يمكن أن يُعاد النظر في المصطلح الحديث على ضوء القرآن، لا العكس.

تنبع أهمية المسألة من أن «المقدس» في الدراسات الحديثة ليس لفظاً محايداً. فقد حمل، في مدارس مختلفة، معنى الانفصال عن غير المقدس، أو الحماية بالمحظورات، أو السلطة الجمعية، أو الخبرة الوجدانية القائمة على المهابة والغموض، أو ظهور حقيقة متعالية تقطع تجانس المكان والزمان. وتختلف هذه المعاني في المنطلق والغاية حتى مع اجتماعها تحت اسم واحد. ومن ثم فإن إدخال «المقدس» إلى الدراسة القرآنية بلا تفكيك قد ينقل معه أكثر من تصور دفعة واحدة.

وتسعى هذه المقالة إلى الإجابة عن أربعة أسئلة مترابطة: هل يوجد في القرآن مفهوم واحد يمكن أن يؤدي وظيفة «المقدس» الحديثة؟ وكيف تتوزع الدلالة القرآنية بين التقديس والحرمة والشعائر والبركة والطهارة والتعظيم والأمن؟ وأين تتقاطع هذه الشبكة مع أشهر التصورات الحديثة وأين تفترق عنها؟ وما الآثار التفسيرية والفقهية والمقارنة التي تترتب على اعتماد القرآن حاكماً على التصنيف؟ والفرضية التي تختبرها الدراسة هي أن الأنسب قرآنياً ليس بناء «قائمة المقدسات»، بل تحرير «نظام الحرمة والتقديس» بوصفه شبكة متدرجة من النسب والأحكام والأوصاف والآثار.

2. حاكميّة القرآن على المفاهيم: الأساس المنهجي

2.1. المصطلح الحديث ليس بريئاً من بنيته النظرية

لا تكمن المشكلة في أن مادة «ق د س» أعجمية أو غريبة؛ فهي عربية أصيلة ومستعملة في القرآن. إنما تكمن المشكلة في تحويل الصفة والعلاقة القرآنيتين إلى اسم جنس تحليلي كلي هو «المقدّس»، ثم جعله مفتاحاً سابقاً على الاستقراء. فالقرآن يقول: ﴿الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ ويقول: ﴿بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ ويصف الله بأنه ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ ويذكر ﴿رُوحُ الْقُدُسِ﴾ ويورد قول الملائكة: ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾. لكنه لا يستعمل «المقدس» اسماً جامعاً لكل بيت حرام وكل شهر حرام وكل شعيرة وكل كتاب مبارك وكل شخص مطهر. وهذه الملاحظة النحوية والدلالية ليست شكلية؛ لأنها تمنع الانتقال غير المبرهن من موارد مخصوصة إلى جنس كلي.

يفيد التحليل الدلالي الشبكي هنا من التنبيه إلى أن معنى اللفظ لا يستنفد بالمعنى الأصلي المفرد، بل يتحدد أيضاً بعلاقاته داخل النظام. فقد ميّز إيزوتسو بين المعنى الأساس والمعنى العلائقي، ثم جعل المفردات القرآنية شبكةً مترابطة لا مجموعة وحدات منعزلة (Izutsu, 1964, pp. 19-28). غير أن حاكميّة القرآن، كما تُستعمل في هذه الدراسة، تزيد على تحليل الحقول الدلالية بأن تضم إليه الصيغة النحوية والإسناد والمتعلَّق والسياق والأمر والنهي والغاية والحد النقدي. فليس السؤال فقط: ما معنى «حرام»؟ بل: من الذي حرّم؟ وما الذي وُصف بالحرمة؟ وما الأثر الذي رُتب عليها؟ وهل يجيز القرآن للإنسان إنشاء هذه النسبة من نفسه؟

2.2. الاستنفاد قبل الحكم

يقوم الاستنفاد البياني في هذه المسألة على مرحلتين متكاملتين. تستنفد المرحلة الأولى الحقول اللفظية المركزية: ق د س وح ر م وب ر ك وط ه ر، مع جمع صيغ كل جذر وسياقاته. وتستنفد المرحلة الثانية العلاقات المفهومية التي قد لا تحمل هذه الجذور، مثل شعائر الله وحرمات الله والتعظيم والجعل والأمن والبيت والقبلة والحج والذكر والقيام للناس وليلة القدر. ثم تُنشأ طبقة ثالثة للمستبعدات حتى لا يتحول الاشتراك الجذري إلى اشتراك مفهومي.

تظهر فائدة هذه القاعدة بوضوح في جذر ح ر م. فقد أحصت المدونة إحدى وسبعين آية للجذر، لكنها لم تجعلها جميعاً من «المقدس». إذ يدخل في النظام تسع وعشرون آية تتصل بالحرم والشهر الحرام والحرمات والإحرام والشعائر وما شاكلها، في حين تُستبعد من المدونة المركزية مواضع التحريم التشريعي العام، مثل تحريم الميتة أو بعض الأنكحة، لأن التحريم هنا لا يحوّل موضوع الحكم إلى شيء ذي حرمة شعائرية أو مكانية أو زمانية. وبذلك يمنع الاستنفادُ الانتقائيةَ ويمنع التصنيفُ التوسّعَ الدلالي في الوقت نفسه.

ولا تعني «حاكميّة القرآن» إلغاء المعجم أو تاريخ الأديان أو علم الاجتماع أو الدراسات المقارنة. إنما تعني ترتيب الحجج: يقدّم القرآن مادته الاصطلاحية وعلاقاته الداخلية في تحديد المفهوم القرآني، ثم تأتي المعاجم لتعين على أصل الدلالة وتأتي النظريات الحديثة لتكون مادة مقارنة. لذلك يستفاد من قول ابن فارس إن أصل ق د س يدل على الطهر (ابن فارس، 1979، ج 5، ص 64)، ومن قوله إن ح ر م يرجع إلى المنع والتشديد (ابن فارس، 1979، ج 2، ص 46)، لكن لا يُستنتج من ذلك أن كل طهارة تقديس أو أن كل منع حرمة دينية؛ فالفصل بين الحقول يقرره الاستعمال القرآني المستنفد.

2.3. مدونة الدراسة ووحدات القياس

تتكون المدونة من طبقات لا يجوز جمع أعدادها في رقم واحد؛ لأن بعضها يحصي الآيات وبعضها يحصي مواضع الجذور وبعضها يحصي العناصر المفهومية. والغرض من الإحصاء ضبط الاستنفاد وإظهار مسار الإدخال والاستبعاد، لا استخراج «عدد المقدسات». ويبين الجدول الآتي البنية الكمية للمدونة:

المؤشر

العدد

وظيفته المنهجية

مواضع جذر ق د س

10

الاستنفاد اللفظي المباشر للتقديس والقدوس وروح القدس والمكان المقدس

آيات جذر ح ر م

71

الاستنفاد الكامل قبل التصفية الدلالية

آيات ح ر م الداخلة في النظام

29

الحرمة المكانية والزمانية والشعائرية والإحرام والحرمات

آيات جذر ب ر ك

32

حقل وازر لا يُسوّى بالتقديس

آيات جذر ط ه ر

26

حقل وازر يختبر الطهارة والتطهير من غير ترادف

آيات المدونة الحاكمة

46

الآيات المؤسسة والمبينة والوازرة والحدية

عناصر النظام المصنفة

23

أماكن وأزمنة وكتب وأشخاص وشعائر وغيرها

صفوف المستبعدات

74

مواضع حُفظت لمنع التوسع الدلالي

مسائل اختبار المصطلح الحديث

11

اختبار صلاحية «المقدس» بعد تفكيكه

قاعدة القياس: لا تُجمع هذه الأعداد لإنتاج «عدد المقدسات»؛ لأن الوحدة تتغير بين آية وموضع جذري وعنصر مفهومي. القيمة العلمية للإحصاء هنا هي كشف مدى الاستنفاد ومراقبة الإدراج والاستبعاد.

3. تحرير مفهوم «المقدس» في الدراسات الحديثة

لا يوجد «مفهوم حديث» واحد للمقدس، بل توجد عائلة من التصورات التي تختلف في مصدر القداسة وعلامتها وآثارها. لذلك ستُعرض التصورات بحسب السؤال الذي يجعل كل واحد منها مركزياً: ما الذي يفصل المقدس عن غيره؟ من أين تأتي قوته؟ كيف يُختبر؟ وكيف يصنع المكان والزمان؟

3.1. التصور الاجتماعي: الفصل والمحظور والجماعة عند دوركايم

جعل إميل دوركايم قسمة الأشياء إلى مقدس وغير مقدس سمةً مميزة للتفكير الديني. فالدين، في بنائه النظري، لا يبدأ من الإيمان بإله بالضرورة، بل من تمييز مجالين متقابلين: أشياء مقدسة وأشياء غير مقدسة. ويصف الأشياء المقدسة بأنها محمية ومعزولة بالمحظورات، ويجعل الشعائر قواعد للسلوك تجاهها (Durkheim, 1915, pp. 37-41). ومن ثم فالانفصال والمحظور ليسا أثراً ثانوياً للمقدس عنده، بل يدخلان في تعريفه.

يتصل بذلك أصل اجتماعي أقوى. يرى دوركايم أن الجماعة قادرة على رفع أشياء عادية إلى منزلة مقدسة، وأن الرأي الجمعي قد يكسو شخصاً أو فكرةً مهابةً شبيهة بما يحيط بالآلهة؛ وقد ضرب لذلك أمثلة من تحويل الوطن والحرية والعقل في ظروف تاريخية إلى أشياء ذات طابع مقدس (Durkheim, 1915, p. 213). وهكذا يصبح المقدس عنده طريقةً تتجسد بها قوة الجماعة وتمثلها لنفسها، ولا يلزم أن يكون ناتجاً من إذن متعالٍ خارج الاجتماع.

يمتلك هذا التصور قوة تفسيرية كبيرة في وصف صناعة الحدود الجمعية والرموز والشعائر، لكنه إذا نُقل إلى القرآن بوصفه تعريفاً حاكماً نشأ تعارض منهجي واضح. فالقرآن يعترف بوجود جماعات تنشئ محظورات وتمنح أشياء منزلة دينية، ولكنه لا يمنح هذا الإنشاء شرعيةً لمجرد أنه جمعي. بل يسأل: ﴿آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ (يونس: 59)، وينهى عن إنشاء الحلال والحرام بالكذب: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ (النحل: 116). ومن ثم يمكن وصف «التقديس الاجتماعي» ظاهرةً اجتماعية، لكن لا يمكن جعله في المنظور القرآني مصدراً كافياً للحرمة الدينية المعتبرة.

3.2. التصور الوجداني: المهابة والغموض عند أوتو

ينتقل رودلف أوتو من البنية الاجتماعية إلى الخبرة. فهو يرى أن «القداسة» لا تُستنفد في الخير الأخلاقي ولا في المفهوم العقلي، وأن فيها عنصراً خاصاً يتجاوز الصياغة المفهومية الكاملة (Otto, 1923, pp. 6-7). ثم يحلل الخبرة الدينية من جهة المهابة والغموض والجذب والانفعال الذي قد يبدأ بسكون العبادة وقد يبلغ الرجفة والرهبة الشديدة أمام حضور لا يساوي المخاوف العادية (Otto, 1923, pp. 12-13).

يضيء هذا التصور جانباً حقيقياً من الاستجابة الدينية، لأن القرآن يعرف الخشية والخشوع والوجل والتعظيم، ويصف الجبال بالتصدع من خشية الله ويصف المؤمنين بوجل القلوب عند ذكره. غير أن تحويل هذه الخبرة إلى أصل مفسر لكل مجال الحرمة والتقديس يختزل البنية القرآنية. فالمسجد الحرام ليس حراماً لأن الإنسان شعر فيه بالرهبة، والشهر الحرام لا يكتسب حرمته من تجربة وجدانية، والصفا والمروة لا يدخلان في الشعائر لأن الحاج اختبر أمامهما غموضاً مهيباً. المصدر في هذه المواضع هو الجعل أو الوصف أو الإضافة أو الأمر، ثم تأتي الاستجابة الوجدانية والسلوكية أثراً.

وعليه تفيد قراءة أوتو في تفسير كيفية استقبال الإنسان لبعض مظاهر المجال، لكنها لا تصلح وحدها لتفسير منشأ الحرمة أو معيار صحتها. يفرق القرآن بين المصدر والأثر: المصدر إلهي في الجعل والإذن والتحريم والتكليف، أما الخشية والتقوى والتعظيم فهي استجابات قلبية وسلوكية. ومن هنا تصبح المهابة قرينةً محتملة لا تعريفاً كافياً للمقدس.

3.3. التصور الظهوري: تجلي المقدس وبناء المكان والزمان عند إلياده

جعل ميرتشا إلياده ظهور المقدس مفتاحاً لفهم الظاهرة الدينية، فالمقدس عنده يُدرك لأنه يظهر بوصفه حقيقةً من رتبة مختلفة عن العالم غير المقدس؛ وقد صاغ مفهوم «الظهور المقدس» ليصف هذا الانكشاف في أشياء قد تكون في ظاهرها عادية، كالحجر أو الشجرة (Eliade, 1959, p. 11). ويرتبط بذلك تمييز المكان المقدس من المكان المتجانس العادي: يقطع الظهور تجانس المكان ويؤسس نقطةً ثابتةً ومركزاً واتجاهاً (Eliade, 1959, pp. 20-22). وكذلك يميز الزمن الديني من الزمن العادي ويمنح أزمنةً مخصوصة قابليةَ الاستعادة الشعائرية (Eliade, 1959, pp. 68-69).

تبدو المقارنة القرآنية هنا خصبة لأن القرآن يخص أمكنة وأزمنة بخصائص لا تتوزع بالتساوي: الوادي المقدس، والبيت الحرام، والحرم الآمن، والمسجد الأقصى الذي بارك الله حوله، والأشهر الحرم، ورمضان، وليلة القدر، والليلة المباركة. غير أن التشابه في النتيجة لا يساوي التطابق في البناء. فالقرآن لا يكتفي بالقول إن المكان «ظهر فيه المقدس»؛ بل يربطه بفعل أو نسبة: ﴿جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ (البقرة: 125)، و﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ (المائدة: 97)، و﴿رَبِّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ (النمل: 91). يضيف القرآن، إذن، مصدر الاختصاص وغاياته وحدوده إلى مجرد التمايز المكاني.

وتزداد المسافة حين نلاحظ أن المكان أو الزمان المختص لا يُختزل في الانفصال عن العادي. فبيت بكة ﴿مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ (آل عمران: 96)، والكعبة جُعلت ﴿قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ (المائدة: 97)، والحرم يقترن بالأمن والرزق، وليلة القدر تنتهي بوصف السلام. هذه الوظائف تمنح الخصوصية بُعداً هادياً واجتماعياً وعملياً لا يظهر إذا اقتصر التحليل على قطع تجانس المكان والزمان.

3.4. النقد التاريخي للمقولات الكلية: أسد وسميث

يفيد النقد التاريخي الحديث في منع تحويل المفاهيم البحثية إلى ماهيات عابرة للتاريخ. فقد دعا طلال أسد إلى تفكيك المفاهيم الجامعة التي يترجم بها الباحث ظواهر مختلفة، وإلى رد إمكان المعاني وسلطتها إلى أنظمة تاريخية مخصوصة من الخطاب والممارسة، وحذر من البحث عن تعريف كوني للدين منفصل عن تاريخ تشكله (Asad, 1993, pp. 53-54). لا يقدم هذا النقد بديلاً قرآنياً، لكنه يسند خطوةً منهجية مهمة: لا يجوز افتراض أن المصطلح الذي استقر في الدراسات الحديثة يطابق تلقائياً البنية الداخلية لنص سابق ومختلف.

واتجه جوناثان سميث، في نقده لفكرة المقدس المتجسد في المكان بذاته، إلى إبراز فعل الوضع والتركيز والانتباه داخل المكان الشعائري؛ فالمكان المحدد يوجّه الانتباه ويجعل التفاصيل ذات دلالة، بدلاً من افتراض «قداسة» مادية قائمة بنفسها يمكن اكتشافها وحسب (Smith, 1987, p. 104). وتلتقي هذه الحساسية مع النتيجة القرآنية في رفض جوهر مبهم مستقل، لكنها تختلف عنها في أن القرآن لا يرد الخصوصية إلى الفعل الشعائري البشري وحده، بل إلى فعل الله وإضافته وإذنه ثم إلى الاستجابة البشرية.

3.5. حصيلة التصورات الحديثة

يمكن تلخيص ما يحمله «المقدس» الحديث في خمسة محاور متراكبة: الانفصال عن غير المقدس، والحماية بالمحظور، والقوة الاجتماعية المنتجة للرمز، والخبرة الوجدانية القائمة على المهابة والغموض، والظهور الذي يعيد تشكيل المكان والزمان. ولا يلزم أن يجمع كل باحث هذه المحاور، لكن الاسم الواحد يسمح بانتقالها من نظرية إلى أخرى. لذلك لا يكفي أن نقول إن القرآن «يعرف المقدس»؛ بل يلزم تحديد أي معنى من هذه المعاني يُقصد، ثم اختبار كل معنى على المدونة.

4. تحرير المجال القرآني: من النواة اللفظية إلى النظام

4.1. ق د س: النواة الصريحة وليست اسم المجال كله

تبلغ مواضع جذر ق د س في المدونة عشرة، وهي قليلة بما يسمح بقراءتها كلها كوحدة متماسكة. ويكشف الاستقراء أربعة أنماط رئيسة: وصف الله بالقدوس، والتقديس لله في قول الملائكة ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾، وتركيب «روح القدس»، ووصف المكان في «الأرض المقدسة» و«الواد المقدس». ويوافق أصل الجذر في المعجم معنى الطهر والتنزه (ابن فارس، 1979، ج 5، ص 64)، لكن الاستعمال القرآني يضيف إلى الأصل علاقات مخصوصة لا يجوز اختزالها في «الطهر» العام.

تقرر هذه المواضع حدين معاً. الأول أن «مقدس» وصف قرآني صحيح لبعض الأمكنة، فلا يصح نفي التقديس المكاني من القرآن. والثاني أن القرآن لم يجعل الصفة اسماً شاملاً لكل ما يخصه دينياً. فالكعبة، وهي أكثر الأمكنة تفصيلاً في أحكامها وغاياتها، تُسمى البيت الحرام والبيت المحرم والبيت العتيق، ولا يرد وصفها بالمقدس. وكذلك لا يسمى رمضان ولا ليلة القدر ولا القرآن نفسه «مقدساً» في النص. ومن هنا تكون النواة اللفظية جزءاً من المجال لا عنواناً مطابقاً لكل حدوده.

﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ (البقرة: 30)

﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (المائدة: 21)

﴿إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ (طه: 12)

4.2. الله القدوس: المرجع الأعلى لا فرد من جنس «المقدسات»

تمنع تسمية «المقدسات» إذا استُعملت بلا تمييز خطأً عقدياً ودلالياً دقيقاً: قد توحي بأن الله والأماكن والكتب والأشخاص أفراد داخل جنس واحد يسمى المقدس. أما القرآن فيجعل الله ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ (الحشر: 23؛ الجمعة: 1)، ويجعل فعل التقديس متجهاً إليه: ﴿نُقَدِّسُ لَكَ﴾. لذلك لا يبدأ النظام من «أشياء مقدسة» متجاورة، بل من الله القدوس الذي إليه التقديس، ثم تُبحث خصوصيات المخلوقات بحسب ما يثبت لها من وصف أو جعل أو حرمة أو بركة أو تطهير.

هذه البنية العلائقية حاسمة في المقارنة مع النظريات التي تتعامل مع «المقدس» كقوة أو رتبة يمكن أن تحل في أشياء شتى بصرف النظر عن مصدر تشريعي. لا ينفي القرآن إمكان وجود خصوصية حقيقية في المكان أو الزمان، لكنه لا يتيح تحويل الخصوصية إلى جوهر مستقل عن الله. فالبيت «بيتي» في سياق التطهير، والبلدة يحرمها ربها، والشعائر «شعائر الله»، والحرمات «حرمات الله». إن الإضافة هنا ليست زينة لغوية، بل تحدد جهة النسبة التي تمنح الوصف معناه الديني.

4.3. الحرمة: مجال المنع المخصوص مع ضرورة الفصل عن مطلق التحريم

يرجع ابن فارس مادة ح ر م إلى المنع والتشديد (ابن فارس، 1979، ج 2، ص 46). ويؤكد الاستعمال القرآني سعة الجذر: يستعمل في تحريم أطعمة وأنكحة وأفعال، وفي الحرم والمَحرَم والحرام والإحرام والشهر الحرام والمسجد الحرام والبيت الحرام والحرمات. لهذا لا يجوز أن يقال: «الحرام هو المقدس» ولا أن يقال العكس.

يقدم الاستنفاد دليلاً عملياً على هذا الفصل. فقوله تعالى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (المائدة: 3) يجعل الميتة ممنوعةً شرعاً، لكنه لا يمنحها منزلةً شعائرية أو مكانية أو زمانية. وقوله ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ (النساء: 23) يحدد دائرةً من الأنكحة الممنوعة من غير أن يجعل موضوع الحكم «مقدساً». في المقابل، يعمل «المسجد الحرام» و«الشهر الحرام» و«حرمات الله» داخل بنية مختلفة، إذ تنتج الحرمة قيوداً على الاعتداء والقتال والإحلال وتلتقي بالشعائر والتعظيم.

ومن هنا ينبغي التفريق بين «التحريم التشريعي العام» و«الحرمة المكانية أو الزمانية أو الشعائرية». قد يشتركان في أصل المنع، لكن وظيفتهما في النظام ليست واحدة. هذا التفريق وحده يكفي لنقد كثير من القوائم الحديثة التي تجمع كل ممنوع ديني تحت «المقدس» أو تجعل كل مقدس ممنوع اللمس أو الاستعمال على نحو واحد.

4.4. الشعائر وحرمات الله: الإضافة والتعظيم وعدم الإحلال

تُظهر مادة «الشعائر» طبقةً لا يغني عنها لا «مقدس» ولا «حرام». يشرح الراغب الأصفهاني مشاعر الحج بأنها معالمه الظاهرة للحواس، ويصل الشعائر بالعلامات التي يُتعبد بها (الراغب الأصفهاني، 1992، ص 456). ويقول القرآن: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (البقرة: 158)، ويقول: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ (المائدة: 2)، ثم يجعل البدن من شعائر الله (الحج: 36).

تجمع هذه النصوص بين الإضافة إلى الله وبين الفعل البشري المطلوب. فالشعيرة ليست مجرد شيء «ذو مهابة»، بل علامة تدخل في نظام عبادي وتكتسب أحكاماً مخصوصة. ويأتي التعظيم بوصفه استجابةً معيارية: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ (الحج: 30) و﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (الحج: 32). وتدل الآيتان على أن التعظيم ليس هو الذي ينشئ الشعيرة والحُرمة ابتداءً؛ بل يتجه إلى ما ثبتت نسبته إلى الله.

وبهذا تتكون علاقة ثلاثية: جعل أو نسبة إلهية، ثم صفة أو منزلة في النظام، ثم استجابة بشرية من تعظيم وعدم إحلال وامتثال. وهذه العلاقة أدق من استعمال «التقديس» بمعنى نفسي فضفاض؛ لأنها تسمح بتمييز منشأ الخاصية من سلوك الإنسان تجاهها.

4.5. الاختصاص الإلهي: مفهوم تحليلي مستخرج من الأفعال والعلاقات

تستعمل الدراسة عبارة «الاختصاص الإلهي» بوصفها مفهوماً تحليلياً مستخرجاً من الشبكة، لا بوصفها اسماً قرآنياً مذكوراً بهذا التركيب. تدل عليه أفعال ونسب متعددة: جعل الله البيت مثابةً وأمناً، وجعل الكعبة البيت الحرام قياماً للناس، وحرّم البلدة، وأنزل القرآن في رمضان وفي ليلة مباركة، وبارك حول المسجد الأقصى، وأضاف البيت إلى نفسه في الأمر بالتطهير، وأضاف الشعائر والحرمات إليه. وهذه الصيغ تتنوع، لكن يجمعها أن خصوصية العنصر لا تُترك لدعوى اجتماعية مطلقة.

يتيح مفهوم الاختصاص تفادي خطأين متقابلين. الأول أن تُفهم الخصائص الدينية كأنها جواهر سحرية قائمة في الأشياء بذاتها. والثاني أن ترد كلها إلى بناء اجتماعي لا معيار فوقه. أما القرآن فيثبت للأماكن والأزمنة والأشياء أوصافاً حقيقية في نظام التكليف والعبادة والهداية، لكنه يرد ثبوتها إلى الله: بالخلق والكتاب والجعل والإذن والوصف والإنزال والأمر. لذلك فالعلاقة بالله سابقة منطقياً على الاستجابة الاجتماعية وإن كانت الممارسة البشرية جزءاً من تحقق الشعيرة في الحياة.

4.6. البركة: خير إلهي ثابت لا مرادف للتقديس

يُعد جذر ب ر ك من أهم الحقول الوازرة؛ وقد استُنفد في اثنتين وثلاثين آية. ويرد أصل المادة عند ابن فارس في معنى الثبات (ابن فارس، 1979، ج 1، ص 228)، ويشرح الراغب البركة بأنها ثبوت الخير الإلهي في الشيء، ويجعل المبارك ما فيه ذلك الخير (الراغب الأصفهاني، 1992، صص. 119-120). ويتسق ذلك مع تنوع موارد القرآن: كتاب مبارك وماء مبارك وشجرة مباركة وبيت مبارك وليلة مباركة وإنسان جُعل مباركاً.

هذا الاتساع نفسه يمنع مساواة المبارك بالمقدس. فلو كان كل مبارك مقدساً بالمعنى الاصطلاحي الحديث لتحولت البركة إلى آلة لتضخيم دائرة المقدسات بلا ضابط. والصحيح أن البركة قد تقوي خصوصية عنصر داخل النظام، كما في بيت بكة أو ما حول المسجد الأقصى أو ليلة الإنزال، لكنها قد ترد في أشياء لا تدخل في المدونة المركزية للمقدس، مثل الماء المبارك. ولذلك صُنفت البركة وصفاً وازراً لا اسماً حاكماً للمجال.

4.7. الطهارة والتطهير: شرط أو وصف أو اصطفاء لا مساواة بالتقديس

يرجع أصل ط ه ر إلى النقاء وزوال الدنس (ابن فارس، 1979، ج 3، ص 428). ويستعمل القرآن الطهارة في البدن والعبادة والأخلاق والأشخاص والبيوت والصحف. وتظهر صلتها بنظام الحرمة والتقديس في أمر إبراهيم وإسماعيل بتطهير البيت للطائفين والعاكفين والركع السجود (البقرة: 125)، وفي الأمر بتطهير البيت في سورة الحج (الحج: 26)، وفي وصف الصحف بأنها مرفوعة مطهرة (عبس: 13-14).

لكن المدونة تمنع مرةً أخرى الترادف. فمريم اصطفاها الله وطهرها، وأهل البيت ورد فيهم التطهير، وعيسى قيل له ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، ولا يترتب من مجرد صيغة التطهير أن القرآن أنشأ جنساً اسمه «الأشخاص المقدسون». وقد تكون الطهارة تهيئةً للدخول في عبادة أو وصفاً لحال أو تطهيراً من رجس أو أذى أو كفر. لذلك لا يثبت «التقديس» من الطهارة إلا إذا دل عليه نص أو شبكة أخرى مستقلة.

4.8. الأمن والهدى والقيام والسلام: غايات تمنع اختزال المجال في الانفصال

تظهر في المدونة أوصاف وآثار لا تدخل عادةً في التعريفات المختصرة للمقدس الحديث، لكنها مركزية قرآنياً. فالبيت مثابة للناس وأمن، وبيت بكة مبارك وهدى للعالمين، والكعبة البيت الحرام قيام للناس، والحرم آمن تجبى إليه الثمرات، وليلة القدر سلام حتى مطلع الفجر. هذه الأوصاف تكشف أن خصوصية المكان والزمان ليست «عزلة عن العادي» فقط، بل تندمج في وظائف هداية وأمن وقيام ورزق وعبادة.

وتؤثر هذه النتيجة في معنى التعظيم نفسه. فتعظيم الحرمات لا يعني تعطيل الشيء عن وظيفته أو إحاطته بمنع مطلق؛ إذ جعل الله الكعبة قياماً للناس، وأوجب حج البيت على المستطيع، وأمر بالطواف والذكر، وجعل الصفا والمروة موضع سعي. فثمة فرق بين صون الحد وبين حبس الشيء عن وظيفته. ومن هنا يمكن أن تكون الحرمة مولِّدةً لحركة منظمة، لا مجرد حاجز يفصل الإنسان عن الشيء.

4.9. المكان والزمان والكتاب والشخص: تفاوت جهات الاختصاص

يكشف التصنيف الموضوعي أن القرآن لا يطبق وصفاً واحداً على جميع الأصناف. ويوضح الجدول الآتي نماذج من هذا التفاوت:

العنصر

الوصف القرآني الأبرز

جهة الخصوصية

حكم إطلاق «المقدس» قرآنياً

الله

القدوس؛ نقدس لك

المرجع الأعلى للتقديس

لا يُجعل فرداً من جنس «المقدسات»؛ بل هو المرجع الذي إليه التقديس

الأرض المقدسة والوادي المقدس

المقدسة؛ المقدس

تقديس لفظي صريح

إطلاق نصي مباشر على المكانين

الكعبة والبيت

البيت الحرام؛ المحرم؛ العتيق؛ مثابة؛ أمن

الجعل والحرمة والحج والتطهير والقيام

خصوصية قوية من غير ورود اسم «المقدس»

الأشهر الحرم

أربعة حرم؛ الشهر الحرام

حرمة زمانية في كتاب الله

اختصاص زماني لا تسمية نصية بالمقدس

رمضان وليلة القدر

أنزل فيه القرآن؛ خير من ألف شهر؛ سلام

الوحي والعبادة والتفاضل

اختصاص شديد من غير جذر ق د س

القرآن والصحف

كريم؛ مبارك؛ تنزيل؛ مكرمة؛ مرفوعة؛ مطهرة

الوحي والبركة والكرامة والصون

لا يسمي القرآن نفسه «كتاباً مقدساً»

الصفا والمروة والهدي والبدن

من شعائر الله؛ شعائر الله

الإدخال في النظام الشعائري

خصوصية شعائرية لا ترادف لغوي مع التقديس

مريم وأهل البيت وعيسى

اصطفاء؛ تطهير؛ بركة؛ تأييد

صفات واختصاصات شخصية

لا يكفي وصف واحد منها لإنشاء جنس «الأشخاص المقدسين»

4.10. الحد النقدي: القرآن لا يثبت حق الإنسان في اختراع الحرمة الدينية

من أهم ما يميز المدونة عن مجرد جمع الألفاظ الإيجابية أنها تضم آيات حدية تنقد صناعة التحريم. ففي سياق ما جُعل رزقاً يقول تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ (يونس: 59). ويقول: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ (النحل: 116).

لا يقتصر أثر هاتين الآيتين على باب الفتوى؛ بل يضعان معياراً لنظرية المقدس نفسها. فإذا كان إنشاء التحريم الديني يحتاج إذناً من الله، فلا تكفي المهابة الجمعية أو العرف المتوارث أو التعظيم الشعائري لإثبات حرمة ملزمة منسوبة إلى الله. قد تدرس العلوم الاجتماعية كيف تنشئ الجماعات قداسةً رمزية، لكن القرآن يميز الوصف الاجتماعي من الاعتبار الديني الصحيح. وهذه النقطة هي أعمق مواضع المباينة مع النظرية التي تجعل المجتمع منشأ القداسة بمعناها الديني.

5. المقارنة والمقابلة والمباينة: أين يلتقي «المقدس» الحديث بنظام الحرمة والتقديس وأين يفترق؟

لا تقتضي حاكميّة القرآن رفض النظريات الحديثة لمجرد أنها حديثة، كما لا تقتضي تذويب القرآن فيها. الأصح تمييز مستويات الاتفاق والافتراق. قد تصف النظرية أثراً موجوداً في القرآن من غير أن تكون هي منشأه أو معياره. وقد تكشف نمطاً اجتماعياً صالحاً للرصد لكنه لا يحمل حكماً معيارياً قرآنياً. ويعرض الجدول الآتي المقارنة في محاور محددة:

المحور

في التصورات الحديثة

في المدونة القرآنية

الحكم المقارن

اسم المجال

«المقدس» اسم جامع يقابل غير المقدس في نماذج مؤثرة

لا يوجد اسم قرآني مفرد يجمع ق د س وح ر م والشعائر والبركة والطهارة

يُقبل «المقدس» وصفاً بحثياً بعد التفكيك لا أصلاً حاكماً

المصدر

قد يكون المجتمع أو الخبرة أو الظهور أو الوضع الشعائري

الجعل والإضافة والإذن والتحريم والوصف والإنزال الإلهي

المصدر المعياري مختلف حتى مع تشابه بعض الآثار

الثنائية

المقدس/غير المقدس قسمة كلية عند دوركايم وبقوة عند إلياده

لا تثبت ثنائية لفظية كلية تقسم كل الموجودات إلى هذين الصنفين

لا تُستورد الثنائية بوصفها مسلمة قرآنية

المحظور

الحظر والعزل من علامات المقدس

الحرمة تنتج منعاً، لكن مطلق التحريم لا يساوي التقديس

اشتراك جزئي مع ضرورة الفصل بين التحريم العام والحرمة الخاصة

الخبرة

المهابة والغموض والجذب عناصر مركزية عند أوتو

الخشية والتقوى والتعظيم آثار مهمة، لكنها لا تنشئ الحرمة بذاتها

الوجدان أثر لا مصدر كافٍ

المكان

الظهور أو الفعل الشعائري يقطع تجانس المكان

أمكنة مخصوصة بالقداسة أو الحرمة أو البركة والجعل والأمن

اتفاق في التمايز واختلاف في مصدره ووظائفه

الزمان

زمن ديني مختلف قابل للاستعادة الشعائرية

أشهر حرم ورمضان وليلة قدر وليلة مباركة بأوصاف مختلفة

تعدد وجوه الاختصاص يمنع ردها إلى وصف واحد

الشعائر

شعائر تنظم الصلة بالمقدس

شعائر الله علامات مخصوصة تُعظم ولا تُحل

تقاطع قوي في السلوك مع إضافة إلهية معيارية صريحة

الطهارة

قد تقترن بالمقدس في نظم عديدة

حقل مستقل واسع، ولا يكفي وحده لإثبات التقديس

يجب منع الخلط بين الطاهر والمقدس

البركة

قد تندمج في معنى القوة المقدسة

خير إلهي ثابت يرد في الكتاب والمكان والماء والإنسان والزمان

البركة أوسع من مجال الحرمة والتقديس

الغاية

قد يركز التحليل على الفصل أو القوة أو الخبرة

هدى وأمن وقيام للناس وسلام وعبادة وتقوى

البعد الغائي والاجتماعي جزء من البنية القرآنية

الإنشاء البشري

قد تصنع الجماعة المقدس أو يصنعه الفعل الشعائري

ينقد القرآن إحداث التحريم الديني بغير إذن

فرق جوهري بين الوصف الاجتماعي والشرعية الدينية

5.1. ثنائية «المقدس/المدنس»: إشكال في المفهوم والترجمة

من أكثر آثار النقل الاصطلاحي شيوعاً ترجمة المقابل الحديث للمقدس بـ«المدنس». وهذه الترجمة قد تكون مضللة إذا أُريد بها مقابِل دوركايم أو إلياده؛ لأن المقابل عندهما لا يعني بالضرورة النجس أو القبيح أو الخبيث، بل ما يقع خارج المجال المقدس أو في الحياة العادية. وقد صرح دوركايم بأن المقابلة ليست مجرد تفاضل أخلاقي، بل فصل بين مجالين (Durkheim, 1915, pp. 37-41). لذلك فإن «غير المقدس» أو «العادي» أدق من «المدنس» في كثير من المواضع التحليلية.

أما القرآن فيعرف أزواجاً دلالية متعددة لا يجوز دمجها في ثنائية واحدة: الحلال والحرام، والطاهر والنجس، والطيب والخبيث، والهدى والضلال، والإيمان والكفر، والمعروف والمنكر. لكل زوج مجاله ووظيفته، وقد يتقاطع مع غيره من غير ترادف. فإذا سُمّي كل ما ليس مقدساً «مدنساً» نُقلت دلالة النجاسة إلى أشياء لم يصفها القرآن بها، وتحولت القسمة الحديثة إلى حكم شرعي وأخلاقي لا يدل عليه النص.

5.2. من الجوهر إلى العلاقة

تميل بعض الخطابات الشعبية، وأحياناً بعض الصياغات النظرية، إلى الحديث عن «قداسة» كأنها مادة أو قوة تسكن الشيء. أما المدونة القرآنية فتدفع إلى صياغة علائقية: هذا بيت حرمه الله، وهذه شعائر الله، وهذا مكان بارك الله حوله، وهذه ليلة أنزل فيها الكتاب، وهذه صحف مكرمة مطهرة. حتى الوصف الصريح «المقدس» لا يُفهم منفصلاً عن سياق خطاب الله والوحي والأمر.

ولا تعني العلائقية نفي حقيقة الخصوصية أو اختزالها إلى اللغة. المقصود أن ماهية الصلة الدينية لا تُستخرج من الشيء منفرداً عن نسبته في الخطاب الإلهي. وهذا يختلف عن القول إن الجماعة هي التي تخلق كل قيمة دينية، كما يختلف عن تصور أن «المقدس» كيان سابق يعلن نفسه في الأشياء. إن القرآن يقدم شبكةً من أفعال الله وأوصافه وأوامره تُنشئ معرفةً عملية بما يعظم وما يُصان وما يُقصد وما يُفعل.

5.3. من القسمة الكلية إلى النظام المتدرج

إذا كانت ثنائية المقدس وغير المقدس عند دوركايم تقسم العالم من حيث التفكير الديني إلى مجالين، فإن المدونة القرآنية لا تحتاج إلى هذا التقسيم الكلي. فهناك أشياء حرام تشريعاً من غير أن تكون مقدسة، وأشياء مباركة لا تدخل في الحرمة، وأشخاص مطهرون من غير تسمية بالتقديس، وأزمنة مختصة شديدة التفاضل من غير استعمال جذر ق د س. ويعني ذلك أن الشبكة متدرجة ومتعددة المحاور.

يمكن وصف درجات الصلة على النحو الآتي: تقديس لفظي صريح، وحرمة صريحة، وشعائرية صريحة، واختصاص بنيوي قوي بالبركة أو الوحي أو الجعل أو الأمن، ووصف وازر لا يكفي وحده، ثم مواضع مستبعدة على الرغم من الاشتراك الجذري. وتمنع هذه الدرجات التسوية بين «الوادي المقدس» و«الماء المبارك» و«الميتة المحرمة» و«الصحف المطهرة» تحت رتبة واحدة.

5.4. من الانفصال إلى الوظيفة

يظل الانفصال والحد جزءاً حقيقياً من المجال القرآني: لا تحلوا شعائر الله، ولا تعتدوا في الحرم، ولا تظلموا في الأشهر الحرم، ويخلع موسى نعليه في الوادي المقدس. لكن هذه الحدود لا تفسر المجال كله. فالبيت مقصد للحج والطواف والصلاة، والكعبة قيام للناس، والحرم أمن، والكتاب هدى، وليلة القدر سلام. لذلك لا يصح تعريف الحرمة القرآنية من خلال «الابتعاد» وحده.

والنتيجة أن الحد القرآني حدّ منظم للفعل لا دائماً مانعاً من الصلة. قد يمنع صورةً من الفعل لكي يتيح صورةً أخرى أشد انضباطاً: يمنع القتال أو الصيد في حال ويأمر بالطواف والذكر في حال أخرى. وهذا الفارق مهم في الفقه وفي تحليل الشعائر؛ لأن «المقدس» ليس بالضرورة ما لا يُمس، بل قد يكون ما لا يُتعامل معه إلا بالوجه الذي عينه الله.

6. آثار إعادة التحرير في التفسير والفقه والدراسات المقارنة

6.1. في التفسير: منع التفسير بالمصطلح السابق على النص

يترتب على هذه الدراسة أن استعمال كلمة «مقدس» في التفسير ينبغي أن يكون تفسيراً مبيّناً لا بديلاً عن ألفاظ القرآن. فإذا قيل «الشهر المقدس» شرحاً لـ«الشهر الحرام» وجب التنبيه إلى أن القرآن اختار «الحرام»، وأن هذا الاختيار يرتبط بالمنع والحدود ولا يساوي كل ما تحمله كلمة المقدس الحديثة. وإذا قيل «القرآن كتاب مقدس» في الخطاب المقارن جاز بوصفه عبارةً تعريفية شائعة، لكن لا ينبغي أن تُنسب العبارة إلى القرآن كأنه سمّى نفسه بهذا الاسم؛ فالقرآن يصف نفسه بالكريم والمبارك والعزيز ويقرر أنه تنزيل من رب العالمين.

بهذا يصبح اللفظ القرآني جزءاً من البرهان، لا مجرد طريق إلى «فكرة» يظن الباحث أنها واحدة تحت أسماء كثيرة. فاختلاف «مقدس» و«حرام» و«مبارك» و«مطهر» و«شعيرة» قد يدل على اختلاف جهة الصلة، ويكون إلغاء الفروق خسارةً تفسيرية.

6.2. في أصول الفقه: التمييز بين الحكم التكليفي والحرمة الشعائرية

يساعد الفصل بين التحريم العام والحرمة الخاصة على منع خلط أصولي. «الحرام» بوصفه حكماً تكليفياً يصدق على أفعال أو أعيان كثيرة، لكن ذلك لا يمنح موضوع الحكم منزلة شعائرية. أما «حرمات الله» و«الشهر الحرام» و«المسجد الحرام» فتدخل في شبكات إضافية من التعظيم وعدم الإحلال والحدود الزمانية والمكانية. ومن ثم لا يجوز استنتاج آثار «المقدس» من مجرد ثبوت التحريم الفقهي.

ويضيف الحد النقدي بعداً أصولياً آخر: نسبة التحريم إلى الله دعوى تحتاج حجة. فالآيات التي تنقد التحريم المخترع تجعل «الإذن» فاصلاً بين الحكم المنسوب إلى الله وبين ما تصفه الألسنة. وهذا يضيق مساحة صناعة الحرمات الدينية بالعوائد أو الانفعالات أو السلطة الاجتماعية إذا لم يقم عليها دليل معتبر.

6.3. في دراسة الشعائر: من الشيء إلى شبكة الفعل

تدعو المدونة إلى دراسة الشعيرة في شبكة لا في عزلة: ما الشيء؟ ومن جعله شعيرة؟ وما الفعل المرتبط به؟ وما حدود الإحلال؟ وما علاقته بالتقوى والذكر والقيام؟ ففي الصفا والمروة لا تقتصر الدلالة على المكان، بل تتصل بالحج والعمرة والطواف. وفي البدن تتصل الشعائر بالذكر والإطعام والتسخير. وفي المشعر الحرام تتصل الحرمة بالذكر بعد الإفاضة من عرفات.

ويمنع هذا المنهج تحويل «المقدس» إلى صفة ساكنة للأشياء. فالقرآن يقدّم كثيراً من عناصر المجال بوصفها عقداً في نظام أفعال: يقصدها الناس ويطوفون ويسعون ويذكرون ويذبحون ويطعمون ويجتنبون الاعتداء ويعظمون. ومن هنا يكون التحليل الفعلي لازماً للتحليل الاسمي.

6.4. في الدراسات المقارنة للأديان: بناء المقارنة بعد تحرير لغة كل نص

لا تستقيم المقارنة بين اليهودية والمسيحية والإسلام إذا بدأت بقائمة عالمية جاهزة اسمها «المقدسات» ثم قاست مقدار حضورها في كل دين. فحتى لو احتاج الباحث إلى مصطلح جامع لأغراض المقارنة، يجب أن يحرر أولاً اللغة الداخلية لكل تقليد: ما الاسم الذي يستعمله؟ وما مصدر المنزلة؟ وما حدودها؟ وما صلتها بالطهارة والقربان والزمن والمكان والكتاب والسلطة؟ عندئذٍ تصبح المقارنة مقارنةَ بنى لا مقارنةَ ألفاظ مترجمة.

يفيد تحذير أسد من تعميم المقولات الحديثة في هذا الموضع خاصةً، لأنه يذكّر بأن المفهوم الجامع قد يخفي تاريخاً نظرياً مخصوصاً (Asad, 1993, pp. 53-54). وتضيف حاكميّة القرآن مطلباً آخر داخل الدراسة الإسلامية: بعد تفكيك المفهوم الخارجي لا يكفي تعليق الحكم؛ بل يلزم إعادة البناء من النص القرآني نفسه. لذلك تقترح الدراسة «نظام الحرمة والتقديس» بوصفه اسماً للمجال القرآني، ثم يمكن أن يوضع هذا النظام في مقابلة أنظمة أخرى من غير افتراض التطابق.

6.5. في الترجمة: لا مساواة آلية بين «مقدس» و«حرام» و«مبارك» و«مطهر»

تنتج عن البحث قاعدة ترجمة مهمة: لا يجوز أن تُترجم ألفاظ متعددة بلفظ واحد ثم يُعاد استيراد اللفظ الواحد إلى العربية بوصفه دليلاً على الترادف. فإذا ترجم المترجم «حرام» و«مقدس» و«شعيرة» و«مبارك» بألفاظ متقاربة في لغة أخرى لضرورة السياق، فلا يعني ذلك أن القرآن سوّى بينها. ينبغي في الدراسات الدقيقة حفظ الفروق العربية، وشرح ما يقتضيه السياق عند النقل.

وتظهر المشكلة بصورة أخص في المقابل «غير المقدس». فإذا ترجم إلى «مدنس» نشأ إيحاء بالنجاسة أو القبح لا يلزم من النظرية الحديثة نفسها، فضلاً عن القرآن. لذلك يجب الفصل بين مجال القداسة ومجال الطهارة والنجاسة في اللغة البحثية، كما فصلت المدونة بينهما.

6.6. في الاجتماع والسياسة: من وصف التقديس إلى نقد ادعاء الشرعية

يمكن للباحث الاجتماعي أن يصف كيف تتحول راية أو زعيم أو وطن أو ذكرى إلى رمز لا يسمح المجتمع بمساسه، وهو وصف قريب من ملاحظة دوركايم عن قدرة الجماعة على إنشاء أشياء مقدسة (Durkheim, 1915, p. 213). لكن المنهج القرآني يضيف سؤالاً معيارياً لا يجيب عنه الوصف الاجتماعي: هل يجوز نسبة هذه الحرمة إلى الله؟ وهل يترتب عليها حكم ديني؟ وهل أدت إلى تحريم ما أحل الله أو إلى تعطيل ميزان الحق والقسط؟

يفتح هذا الفرق باباً لنقد «التقديس السياسي» من غير إنكار قوة الرموز الاجتماعية. فوجود الاستجابة الجمعية حقيقة اجتماعية، أما شرعنة التحريم والتعظيم باسم الدين فدعوى أخرى تحتاج دليلاً. ويساعد هذا الفصل على عدم الخلط بين «ما يعظمه الناس» و«ما أمر الله بتعظيمه».

7. إعادة البناء: «نظام الحرمة والتقديس» بوصفه الاسم الأدق للمجال القرآني

7.1. لماذا «نظام» لا «قائمة»؟

لا تكشف المدونة مجموعة أشياء تشترك في صفة واحدة فحسب، بل تكشف علاقات مرتبة. يبدأ البناء بالله القدوس والتقديس له. ثم يظهر الجعل والإضافة والإذن والوصف والإنزال والتحريم بوصفها جهات لإثبات الخصوصية. ثم تتوزع الخصوصية إلى تقديس صريح وحرمة وشعائر، وتأتي البركة والطهارة والأمن والكرامة أوصافاً وازرة لبعض العناصر. ثم تظهر الغايات: الهدى والقيام والأمن والسلام. ثم تأتي استجابة الإنسان: التعظيم وعدم الإحلال وعدم الاعتداء والذكر والعبادة والطواف والتطهير. وأخيراً يضع القرآن حداً نقدياً أمام الاختراع الديني بغير إذن.

هذه البنية لا يمكن تمثيلها بقائمة «مقدسات» دون خسارة. فالقائمة تسوّي الرتب، أما النظام فيحفظ جهة النسبة والوظيفة والحد والغاية. وهي أيضاً تفسر لماذا قد يكون الشيء داخل المجال من جهة واحدة وخارجه من جهة أخرى: الماء المبارك في حقل البركة، لكنه لا يصير بذلك شعيرةً أو حرماً؛ والميتة محرمة، لكنها لا تدخل في الحرمة الشعائرية.

7.2. تعريف مقترح

نظام الحرمة والتقديس: شبكة قرآنية من النسب والأحكام والأوصاف التي يختص الله بها أشخاصاً أو أشياء أو أمكنة أو أزمنة أو أفعالاً أو شعائر، فتثبت لبعضها درجات من التقديس أو الحرمة أو البركة أو التطهير أو الأمن، وتترتب عليها حدود تكليفية وآداب تعظيم ووظائف هداية وقيام وعبادة، مع منع إنشاء حرمة دينية منسوبة إلى الله بغير إذنه.

هذا التعريف لا يدعي أن عبارة «نظام الحرمة والتقديس» نص قرآني، بل يقدم اسماً بحثياً مركباً يحفظ التعدد الداخلي للمدونة. وميزة الاسم أنه لا يجعل «ق د س» وحده مظلةً لما لم يسمه القرآن به، ولا يجعل «ح ر م» وحده مظلةً للبركة والطهارة والوحي، بل يجمع النواة الصريحة والحدود العملية والحقول الوازرة تحت نظام علاقات واضح.

7.3. اختبار من ست خطوات لاستعمال مصطلح «المقدس» في البحث القرآني

يمكن ضبط استعمال المصطلح الحديث بإجراء تطبيقي موجز. فإذا أراد الباحث أن يصف عنصراً قرآنياً بأنه «مقدس» سأل بالترتيب:

• ما اللفظ القرآني الدقيق الذي وصف به العنصر: مقدس أم حرام أم شعيرة أم مبارك أم مطهر أم وصف آخر؟

• ما جهة النسبة التي تثبت خصوصيته: جعل أم إضافة إلى الله أم تحريم أم وصف أم إنزال أم أمر؟

• هل اللفظ الوارد حاكم على المجال أم وازر فقط؟ وهل يوجد نص ينقل العنصر من مجرد البركة أو الطهارة إلى حرمة أو شعائرية؟

• ما الأثر العملي الذي رتبه القرآن: تعظيم أم منع إحلال أم منع اعتداء أم ذكر أم عبادة أم طواف أم تطهير؟

• ما الغاية أو الوظيفة: هدى أم أمن أم قيام للناس أم سلام أم غير ذلك؟

• هل استعمال «المقدس» هنا يشرح هذه الشبكة أم يمحو الفروق بينها؟ فإن محاها وجب تركه أو تقييده.

7.4. طبقتان للمصطلحات: قرآنية أولى وبحثية ثانية

يقترح البحث الفصل بين طبقتين. الطبقة الأولى هي الألفاظ القرآنية نفسها، وهي الحاكمة في التفسير: القدوس والتقديس والمقدس والحرام والحرم والحرمات والشعائر والمبارك والمطهر والأمن والتعظيم وما يتصل بها. والطبقة الثانية ألفاظ بحثية تنظّم المقارنة، مثل «المقدس» بمعناه الجامع أو «نظام الحرمة والتقديس». يجوز للطبقة الثانية أن تعمل ما دامت تعلن أنها أداة تحليل ولا تستبدل الألفاظ الأولى.

بهذا الفصل يمكن الجمع بين الانضباط والانفتاح. فلا تُغلق الدراسة القرآنية على لغة لا يفهمها الباحث المقارن، ولا تُذاب اللغة القرآنية في قوالب علم الأديان. يعمل المصطلح الحديث جسراً، لكن اتجاه الحكم يبقى من المدونة إلى المصطلح.

8. نتائج تفصيلية واختبارات مضادة

8.1. الاختبار الأول: هل كل محظور مقدس؟

الجواب بالنفي. يكفي أن تُعرض مواضع الميتة والربا وبعض الأنكحة على مواضع المسجد الحرام والشهر الحرام. يشترك الطرفان في مادة المنع، لكن الطرف الثاني يدخل في مكان أو زمان أو شعيرة ذات أحكام تعظيم وحدود مخصوصة، أما الأول فيقرر حكماً تكليفياً. وهذا الاختبار يفصل «الحرام الفقهي» عن «الحرمة» بوصفها جهةً في نظام التقديس.

8.2. الاختبار الثاني: هل كل مبارك مقدس؟

الجواب بالنفي. فالماء مبارك في قوله تعالى ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ (ق: 9)، وعيسى يقول ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ (مريم: 31)، والقرآن كتاب مبارك، والليلة مباركة، والبيت مبارك. اختلاف الموضوعات والآثار يدل على أن البركة وصف أوسع من الحرمة الشعائرية والتقديس اللفظي. وظيفتها في بعض المواضع تقوية الاختصاص، لا إنشاء جنس مستقل من «المقدسات».

8.3. الاختبار الثالث: هل كل مطهر مقدس؟

الجواب بالنفي. يتصل التطهير بالبيت والصحف والأشخاص والبدن والأحوال، ولا تحمل جميع هذه الموارد حكماً واحداً. فالمطهّر قد يكون منزهاً من دنس حسي أو معنوي أو مهيأً لعبادة أو مخصوصاً باصطفاء. لذلك يفسد الاستدلال إذا انتقل من «طهّر» إلى «قدّس» بلا نص أو شبكة واسطة.

8.4. الاختبار الرابع: هل كل ما سماه الخطاب الحديث «مقدساً» يسميه القرآن كذلك؟

الجواب بالنفي. أوضح الأمثلة القرآن نفسه: يصح في لغة المقارنة أن يقال «الكتاب المقدس عند المسلمين» إذا كان المقصود بيان منزلته الدينية لجمهور عام، لكن النص القرآني يعرّف نفسه بأوصاف أخرى: ﴿قُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ و﴿كِتَابٌ ... مُبَارَكٌ﴾ و﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. فإذا تحولت العبارة المقارنة إلى دعوى أن «المقدس» هو المصطلح القرآني الحاكم على الكتاب، وقع الخلط بين مستوى الوصف الحديث ومستوى البيان القرآني.

8.5. الاختبار الخامس: هل يمكن أن ينشئ المجتمع حرمة دينية صحيحة؟

يمكن للمجتمع أن ينشئ احتراماً وحظراً وعرفاً ورمزاً، ويمكن للباحث أن يصف ذلك بـ«التقديس الاجتماعي». لكن صحة نسبة الحرمة إلى الله مسألة أخرى، والقرآن يجعل الإذن معياراً فاصلاً. ومن ثم يكون الجواب: لا يكفي الإنشاء الاجتماعي وحده لإثبات حرمة دينية منسوبة إلى الله. هذا لا ينفي دور الجماعة في حفظ الشعائر ونقلها وتعظيمها؛ بل يميز بين حفظ ما شرعه الله وبين إنشاء تشريع ديني من غير إذن.

9. الخاتمة

أظهر الاستنفاد أن المشكلة في مصطلح «المقدس» ليست لغويةً محضة، بل منهجية. مادة ق د س قرآنية صريحة، لكن تحويل «المقدس» إلى اسم جامع لكل ما له منزلة دينية ينقل إلى النص بنيةً أوسع من استعماله. وعندما أُعيد بناء المجال من داخل القرآن ظهر أن الدلالة موزعة على منظومة من التقديس والحرمة والشعائر والبركة والطهارة والتعظيم والأمن والجعل والإضافة والإذن والإنزال والغاية.

وأثبتت المقارنة أن النظريات الحديثة تضيء جوانب جزئية من هذه المنظومة: يضيء دوركايم وظيفة المحظور والقوة الجمعية، ويضيء أوتو الخبرة الوجدانية للمهابة، ويضيء إلياده خصوصية المكان والزمان، وينبه أسد وسميث إلى تاريخية المقولات وإلى دور الممارسة والوضع. غير أن أياً من هذه المداخل لا يطابق البناء القرآني كله، لأن القرآن يضيف حاكماً معيارياً يتمثل في المصدر الإلهي للاختصاص، ويفصل بين التقديس والحرمة والبركة والطهارة، ويربط الخصوصية بالهدى والقيام والأمن والسلام، ويمنع اختراع التحريم الديني بغير إذن.

وبناءً على ذلك، لا تُعتمد ثنائية «المقدس/المدنس» مسلمةً قرآنية، ولا تُسمى كل الأشياء ذات الأهمية الدينية مقدسةً بدرجة واحدة، ولا يُستخرج التقديس من مجرد التحريم أو التطهير أو البركة. والأدق أن يُستعمل «المقدس» في الدراسة القرآنية أداةَ وصف من الدرجة الثانية بعد تفكيكها، وأن يُعتمد «نظام الحرمة والتقديس» اسماً بحثياً للمجال؛ لأنه يحفظ النواة اللفظية للتقديس ويضم إليها الحرمات والشعائر والحقول الوازرة والآثار والغايات والحدود النقدية من غير تسوية بينها.

وتقود هذه النتيجة إلى قاعدة أوسع في حاكميّة القرآن على المفاهيم: لا يكفي أن نجد للفظ الحديث مقابلاً عربياً أو شاهداً قرآنياً، بل يجب أن نختبر وحدة المجال التي يفترضها المصطلح. فقد يكون اللفظ موجوداً والمفهوم الكلي الحديث غير موجود بالصورة نفسها، وقد تكون الظاهرة موجودةً لكن موزعةً على شبكة من ألفاظ ورتب. عندئذٍ لا يكون الوفاء للقرآن في رفض المصطلح الحديث مطلقاً ولا في التسليم له مطلقاً، بل في إخضاعه للاستنفاد ثم إعادة بنائه بحدود البيان القرآني.

الخلاصات المحكمة

• لا يستعمل القرآن «المقدس» اسماً جنسياً جامعاً لكل ما له خصوصية دينية، وإن استعمل جذر ق د س استعمالاً صريحاً في الله والتقديس له وروح القدس وأمكنة مخصوصة.

• يشكل الله القدوس والتقديس له المرجع الأعلى في النظام، فلا يُجعل الله والمخلوقات أفراداً متساوية تحت جنس «المقدسات».

• تختلف الحرمة عن مطلق التحريم؛ فكل حرمة تتضمن منعاً، لكن ليس كل حكم بالتحريم منشئاً لمنزلة شعائرية أو مكانية أو زمانية.

• تثبت شعائر الله وحرمات الله بنيةً تجمع الإضافة والتعظيم وعدم الإحلال، وتكشف أن الاستجابة البشرية تتجه إلى ما تقررت منزلته قبلها.

• تعمل البركة والطهارة والأمن أوصافاً وازرة، ولا يثبت من واحد منها وحده حكم التقديس.

• لا تثبت في المدونة ثنائية كلية «مقدس/مدنس»، كما أن ترجمة غير المقدس بـ«المدنس» قد تخلط بين مجال القداسة ومجال النجاسة.

• يُظهر القرآن خصوصيةً مكانيةً وزمانيةً وكتابيةً وشعائريةً متدرجة، ولا يجمعها تحت وصف لغوي واحد.

• يتميز النظام القرآني بربط الحرمة والتقديس بالهدى والأمن والقيام والسلام والعبادة، فلا يُختزل في الانفصال والمحظور والمهابة.

• يفصل القرآن بين وصف ظاهرة التقديس الاجتماعي وبين شرعية الحرمة الدينية، ويجعل الإذن الإلهي حداً لنسبة التحريم إلى الله.

• يصلح «المقدس» مصطلحاً مقارناً مشروطاً إذا بقي تابعاً للمدونة، أما الاسم الأدق للمجال القرآني فهو «نظام الحرمة والتقديس».

المصادر والمراجع

أولاً: المصدر الأولي والمصادر العربية

القرآن الكريم.

ابن فارس، أحمد بن فارس. (1979). معجم مقاييس اللغة (عبد السلام محمد هارون، تحقيق؛ 6 مجلدات). دار الفكر.

الراغب الأصفهاني، الحسين بن محمد. (1992). المفردات في غريب القرآن (صفوان عدنان الداودي، تحقيق؛ ط 1). دار القلم والدار الشامية.

ثانياً: المراجع الأجنبية

Asad, T. (1993). Genealogies of religion: Discipline and reasons of power in Christianity and Islam. Johns Hopkins University Press.

Durkheim, E. (1915). The elementary forms of the religious life (J. W. Swain, Trans.). George Allen & Unwin.

Eliade, M. (1959). The sacred and the profane: The nature of religion (W. R. Trask, Trans.). Harcourt, Brace.

Izutsu, T. (1964). God and man in the Koran: Semantics of the Koranic Weltanschauung. Keio Institute of Cultural and Linguistic Studies, Keio University.

Otto, R. (1923). The idea of the holy: An inquiry into the non-rational factor in the idea of the divine and its relation to the rational (J. W. Harvey, Trans.). Oxford University Press.

Smith, J. Z. (1987). To take place: Toward theory in ritual. University of Chicago Press.

ملحق: الخريطة الحاكمة لنظام الحرمة والتقديس

يُلخص هذا الملحق ترتيب العلاقات الذي استخرجته المدونة، وهو ترتيب تحليلي يساعد على ضبط مسار الاستدلال ولا يدعي أنه ترتيب نزولي للآيات:

المرتبة

العنصر الحاكم

ما ينشئه

نماذج قرآنية

1

الله القدوس

المرجع الأعلى للتقديس

البقرة: 30؛ الحشر: 23؛ الجمعة: 1

2

الجعل والإضافة والإذن

اختصاصاً إلهياً معتبراً

البقرة: 125؛ المائدة: 97؛ يونس: 59؛ قريش: 3

3

التقديس الصريح

وصفاً لفظياً مباشراً

المائدة: 21؛ طه: 12؛ النحل: 102

4

الحرمة

حدوداً مكانية وزمانية وشعائرية

البقرة: 194؛ المائدة: 2؛ التوبة: 36؛ النمل: 91

5

الشعائر

علامات تعبدية مخصوصة

البقرة: 158؛ الحج: 32؛ الحج: 36

6

الأوصاف الوازرة

بركةً وتطهيراً وأمناً وكرامةً

آل عمران: 96؛ الإسراء: 1؛ الواقعة: 77-79؛ عبس: 13-14

7

الآثار والغايات

هدىً وقياماً وأمناً وسلاماً

آل عمران: 96؛ المائدة: 97؛ العنكبوت: 67؛ القدر: 5

8

استجابة الإنسان

تعظيماً وذكراً وعبادةً وعدم إحلال

المائدة: 2؛ الحج: 30-32؛ البقرة: 198؛ قريش: 3

9

الحد النقدي

منع الاختراع الديني

يونس: 59؛ النحل: 116

10

الحصيلة الاصطلاحية

نظام الحرمة والتقديس

مجموع المدونة