حدود المآل وحجيته في الاجتهاد والتنزيل
دراسة قرآنية أصولية في الفقه الإمامي مع مقارنة بالفقه السني في ضوء منطق البيان
الملخص
تبحث هذه الدراسة سؤالاً أصولياً يتصل مباشرةً بصناعة الحكم وتنزيله: ما حدود «المآل»؟ وهل يراد به ما يترتب على الفعل في الدنيا فقط، أم يدخل فيه الجزاء الأخروي، أم تعد العاقبة الاجتماعية قسماً ثالثاً مستقلاً؟ تنطلق الدراسة من قاعدة حاكمية القرآن على المصطلح؛ إذ لا يرد لفظ «المآل» بهذه الصيغة الاسمية في القرآن، فلا يُسلَّم بحدوده الاصطلاحية قبل عرضه على المدونة القرآنية التي تستعمل التأويل والعاقبة والمرجع والمصير والمنتهى والجزاء، وتربط الفعل بما ينتهي إليه في الدنيا والآخرة. وتخلص الدراسة إلى أن تقسيم المآل إلى دنيوي وأخروي واجتماعي يخلط بين جهتين مختلفتين: فالدنيا والآخرة تقسيم بحسب دار وقوع العاقبة، أما الفرد والأسرة والجماعة والأمة فتقسيم بحسب محل الأثر. وبذلك يكون المآل الاجتماعي في أصله مآلاً دنيوياً جمعياً، وقد يمتد أثره الأخروي إلى من شارك فيه أو تسبب به أو دعا إليه على الوجه الذي يثبته الشرع. ثم تدرس المقالة موقع النظر في العواقب داخل الفقه الإمامي، وتقرر أن الإمامية لم يهملوا هذه الوظيفة وإن لم يجعلوا «اعتبار المآل» أصلاً مستقلاً باسم واحد؛ بل وزعوا مادته على مباحث المصلحة المرسلة والسببية والإعانة على الإثم ومقدمات الحرام والضرر والتزاحم والعناوين الثانوية وحفظ النظام والتقية والحكم الولائي. ويظهر من نصوص الشيخ الطوسي والمحقق الحلي والنراقي والشيخ الأنصاري والآخوند الخراساني والسيد الخوئي والإمام الخميني والسيد محمد باقر الصدر والسيد السيستاني خط منهجي يمنع انتقال الفقيه من توقع النتيجة إلى إنشاء الحكم من غير دليل شرعي معتبر. وتقارن الدراسة هذا البناء بصياغة الشاطبي الصريحة لقاعدة النظر في مآلات الأفعال وبنظرية الذرائع في الفقه السني. وتقترح الدراسة إعادة بناء «المآل» في منطق البيان بوصفه وظيفة كشف وتحقيق لا دليلاً مستقلاً: يكشف عن تمام الموضوع أو ظهور عنوان معتبر أو وقوع تزاحم أو دخول الواقعة في نطاق تدبير عام مشروع. كما تقرر أن النظر الصحيح لا يقتصر على مآل الفعل، بل يجمع مآل الفعل ومآل الترك ومآلات البدائل، ويشترط ثبوت رابطة الإفضاء والإسناد، ويفرق بين الاستشراف قبل الحكم التنزيلي والتحقق بعد التطبيق. وأخيراً تجعل القسط ميزاناً حاكماً على تقويم النتائج، فلا تتحول المنفعة الجمعية المظنونة إلى مسوغ لهدر حق قطعي أو إلى باب لمصلحة مرسلة تخضع النص للعاقبة المتوهمة.
الكلمات المفتاحية: المآل، العاقبة، التأويل، الفقه الإمامي، التزاحم، العناوين الثانوية، المصلحة المرسلة، الذرائع، القسط، منطق البيان.
تنبيه توثيقي: أرقام الصفحات في الإحالات داخل المتن مقيدة بالطبعات المثبتة في قائمة المصادر في نهاية الدراسة.
مقدمة: من سؤال الحد إلى سؤال الحجية
ليس الاعتراض على اتساع مفهوم «المآل» اعتراضاً لفظياً، بل هو اعتراض يمس موضعاً شديد الحساسية من عملية الاستنباط. فإذا قيل إن الفقيه لا يكتفي بالنص والموضوع والحكم، بل ينظر أيضاً فيما سيؤول إليه تنزيل الحكم، انفتح فوراً سؤالان: ما العاقبة التي تدخل في النظر؟ وما مقدار سلطانها على الحكم؟ وقد يؤدي ترك السؤال الأول بلا تحرير إلى إدخال كل نتيجة قريبة أو بعيدة في دائرة الاعتبار، كما قد يؤدي ترك السؤال الثاني بلا تحرير إلى أن يصبح تقدير المصلحة أو المفسدة طريقاً خفياً لإنشاء الحكم خارج الأدلة الشرعية.
ومن هنا لا يكفي الجواب بأن المآل يشمل الدنيا والآخرة والعاقبة الاجتماعية. فهذا الجواب، مع صحة بعض مضمونه، يبقي الخلط قائماً؛ لأن «الدنيا والآخرة» وصفان لمكان تحقق العاقبة ودارها، بينما «الفردي والاجتماعي» وصفان لمحل الأثر. وقد يقع المآل الدنيوي على فرد أو أسرة أو سوق أو جماعة أو أمة، كما قد يتصل الفعل الجمعي نفسه بمسؤولية أخروية. ولذلك ينبغي أن يعاد بناء التقسيم على جهات متقاطعة لا على أقسام متجاورة لا يجمعها معيار واحد.
وتزداد الحاجة إلى هذا التحرير في الفقه الإمامي؛ لأن مصطلح «اعتبار المآلات» لم يتشكل فيه عادةً باباً أصولياً مستقلاً على الصورة التي اشتهرت في بناء الشاطبي، مع أن الوظائف التي يعالجها هذا المصطلح حاضرة بقوة في أبواب متفرقة. فالفقيه الإمامي يبحث أثر الفعل المتوقع حين يتكلم على مقدمة الحرام والإعانة على الإثم والتسبيب، ويبحث تعارض الجهات العملية في باب التزاحم، وينظر إلى الضرر والحرج والعناوين الثانوية، ويبحث ما يتوقف عليه انتظام حياة الناس، ويعالج في نطاق الولاية الشرعية القرارات المتغيرة بحسب مصالح المجتمع المعتبرة. وهذا التوزع لا يدل على غياب النظر في العاقبة، بل يكشف عن تحفظ أصولي مهم: لا تكفي النتيجة بما هي نتيجة حتى تصبح دليلاً شرعياً.
وعليه تسعى هذه الدراسة إلى الإجابة عن سؤال الفقيه في مستويين مترابطين. المستوى الأول يحرر حدود المآل من القرآن: هل هو دنيوي أو أخروي؟ وما موقع العاقبة الاجتماعية؟ والمستوى الثاني يحرر حجيته أصولياً: متى يكون النظر إلى ما سيحدث جزءاً مشروعاً من تحقيق الحكم، ومتى ينقلب إلى مصلحة مرسلة أو ظن مستقبلي لا حجة فيه؟ ويتقدم الفقه الإمامي في الدراسة بوصفه مجال البحث الرئيس، مع حفظ المسار السني المقارن لما له من أثر كبير في بلورة المصطلح، ولا سيما عند القرافي والشاطبي.
تمهيد منهجي: كيف يدرس المآل من غير أن يصبح مصدراً موازياً للنص؟
تعتمد الدراسة مساراً يبدأ من القرآن ثم يقرأ التراث الأصولي في ضوئه، لا العكس. ولذلك لم يُفترض ابتداءً أن مصطلح «المآل» بوضعه المتداول مصطلح سليم بكل ما حمله من استعمالات متأخرة، بل فُككت عناصره إلى أسئلة: ما النهاية؟ وما محلها؟ وما طريق معرفتها؟ وما صلتها بالفعل؟ وما الباب الشرعي الذي يجعل لها أثراً؟ ثم عرضت هذه الأسئلة على الآيات التي تصل الفعل بعاقبته وعلى مباحث الفقه الإمامي التي تؤدي الوظيفة نفسها وإن اختلفت أسماؤها.
ويقوم المسار المقارن على تجنب خطأين. الأول أن يقرأ الفقه الإمامي بلغة الشاطبي فيقال إن كل بحث في الضرر أو التزاحم أو الإعانة «تطبيق لمآلات الأفعال»؛ فهذا يسلب التراث الإمامي مفاهيمه الدقيقة ويجعله تابعاً لمصطلح نشأ في سياق آخر. والثاني أن ينكر وجود العناية بالعاقبة في الإمامية لمجرد غياب العنوان الاصطلاحي الجامع. والصحيح هو استخراج الوظائف من أبوابها الأصلية ثم اختبار مقدار إمكان جمعها تحت عنوان خادم من غير إلغاء الفروق بينها.
كما تلتزم الدراسة التفريق بين ثلاثة مستويات من الكلام. مستوى الوصف القرآني، وفيه يقرر النص أن فعلاً يفضي إلى عاقبة معينة؛ وهذا حجة من جهة النص نفسه. ومستوى تشخيص الواقع، وفيه يثبت أهل الخبرة أو الحس أو الاستقراء أن نتيجة ما مرجحة أو محققة. ومستوى الحكم الشرعي، وفيه يسأل الفقيه: هل جعل الشارع لهذه النتيجة أثراً في الحكم؟ والخلط بين هذه المستويات هو منشأ كثير من التوسع؛ فقد يكون وصف الواقع صحيحاً ولا يلزم منه حكم جديد، وقد يكون الحكم ثابتاً لكن موضوعه لم يتحقق، وقد يكون المآل نفسه جزءاً من موضوع عنوان ثانوي.
ولا تدعي الدراسة استيعاب جميع الموارد التي يمكن ربطها بالمآل في أبواب الفقه، فهذا يحتاج إلى موسوعة تطبيقية. وإنما تختار نماذج تكشف البنية: المصلحة المرسلة لبيان حدود الحجية، ومقدمة الحرام والإعانة لبيان الإسناد، والتزاحم لبيان تقديم الأهم عند ثبوت جهتين شرعيتين، والضرر والحكم الولائي لبيان المجال العام، وحفظ النظام لبيان المآل الاجتماعي. وبهذا يكون الاستيعاب هنا استيعاباً للقواعد الحاكمة لا إحصاءً لكل فرع فقهي.
أولاً: تحرير لفظ «المآل» في ميزان القرآن
تقتضي قاعدة حاكمية القرآن على المصطلح ألا يبدأ البحث من التعريف الأصولي ثم يستدعي الآيات لتأييده، بل يبدأ من المدونة القرآنية. ولفظ «المآل» بهذه الصيغة الاسمية لا يرد في القرآن، وإن كان مشتقاً من مادة عربية تدور على الرجوع والانتهاء. وقد ربط الراغب الأصفهاني «التأويل» بالرجوع إلى الغاية التي ينتهي إليها الشيء، وجعله رد الشيء إلى الغاية المرادة منه علماً أو فعلاً (الراغب الأصفهاني، 2009، ص. 99). لكن هذا الأصل اللغوي لا يجيز افتراض أن كل ما اصطلح عليه الأصوليون باسم «المآل» مطابق لبنية القرآن؛ فالواجب هو تتبع الألفاظ والأنظمة الدلالية التي يخبر بها القرآن عن النهاية والعاقبة والرجوع والجزاء.
وتكشف المدونة الأولية عن ألفاظ متقاربة الوظيفة غير مترادفة تماماً، منها «التأويل» في قوله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (النساء: 59) وقوله: ﴿ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (الإسراء: 35)، ومنها «العاقبة» في قوله: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (الأعراف: 128) وقوله: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ (طه: 132)، ومنها «المرجع» و«المصير» و«المنتهى» في قوله: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ (النجم: 42) وقوله: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ (الحديد: 5). وتظهر وظيفة الجزاء في آيات كثيرة تربط السعي والنتيجة والحساب: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ (النجم: 39-42).
وتفيد هذه المدونة أن القرآن لا ينظر إلى الفعل بوصفه لحظة منعزلة، بل يربطه بما يثمره وبما يكشف عنه وبما يرجع إليه. غير أن ألفاظ النهاية القرآنية لا تؤدي وظيفة واحدة. فـ«العاقبة» تُبرز ما يظهر عند خاتمة المسار، و«الجزاء» يركز على المقابلة بين العمل وما يستحقه صاحبه، و«المرجع» و«المصير» يردان حركة الإنسان والأمور إلى الله، و«التأويل» في بعض الموارد يتصل بما ينكشف إليه الأمر أو يتحقق معناه. ولهذا لا ينبغي أن يحل لفظ «المآل» محل هذه الألفاظ ثم يمحو فروقها؛ بل يستعمل، إن استعمل، عنواناً جامعاً إجرائياً بعد أن تضبط تحته وظائف كل لفظ قرآني.
وتدل آية الحشر على أن النظر إلى المستقبل الأخروي ليس مجرد وصف لاحق، بل فعل مأمور به قبل وقوع العاقبة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ (الحشر: 18). وقد قرأ الطباطبائي الآية بوصفها أمراً بالنظر في الأعمال المقدمة ليوم الحساب وتمييز حالها قبل حلول الجزاء، بما يفتح باب إصلاح العمل قبل ظهور نتيجته (الطباطبائي، 1997، ج19، صص. 218-219). وهنا يظهر أصل قرآني مهم: استشراف العاقبة ليس في ذاته طارئاً على الدين، لكن حدوده وطريق معرفته يختلفان باختلاف نوع العاقبة.
ثانياً: الجواب المباشر عن حدود المآل
يقتضي التدقيق أن يقال: يشمل المآل في النظر القرآني الدنيا والآخرة، ولا تعد العاقبة الاجتماعية قسماً ثالثاً في مقابل هذين القسمين. فالتقسيم إلى الدنيا والآخرة تقسيم بحسب دار تحقق الأثر، أما التقسيم إلى فردي وأسري وجمعي وأممي فهو بحسب محل الأثر. وإذا لم يراع هذا الفرق نشأ تصور مضلل يجعل «الاجتماعي» خارج الدنيا، مع أنه في الغالب وصف لعاقبة دنيوية تقع في العلاقات أو المؤسسات أو العمران أو القوة العامة.
فالمآل الدنيوي قد يكون شخصياً، كما في ربط العمل الصالح بالحياة الطيبة: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ (النحل: 97). وقد يكون جمعياً، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (الأنفال: 46)، إذ يربط فعل التنازع بمآل جمعي هو الفشل وذهاب القوة. وقد يكون مآلاً يصيب مجال الحياة المشترك: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ (الروم: 41). وقد يعرض القرآن تحولاً من الأمن والرزق إلى الخوف والجوع بسبب فعل جماعي: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (النحل: 112).
وأما المآل الأخروي فليس تابعاً ثانوياً للمآل الدنيوي، بل هو جزء أصيل من تصور القرآن للفعل. بيد أن طريق إثباته يختلف جذرياً؛ لأن ما يقع في الدنيا يمكن في الجملة أن يثبت بالمشاهدة والخبرة والاستقراء المعتبر، بينما تفصيل الجزاء الأخروي من الغيب الذي لا يستقل العقل أو الخبرة الاجتماعية بتعيينه. لذلك لا يملك الفقيه أن ينسب إلى فعل جزاءً أخروياً مخصوصاً بمجرد تقدير العواقب، وإنما يكشفه من الوحي ودلالاته المعتبرة. وهذه الحدود تمنع أن يتحول «المآل الأخروي» إلى باب لتخويف الناس بتفاصيل لم يدل عليها الشرع.
أما العاقبة الاجتماعية فقد يكون لها امتداد أخروي، لكن ذلك لا يجعل «الاجتماعي» عالماً ثالثاً؛ بل يعني أن الفعل الجمعي قد تنشأ عنه مسؤوليات فردية أو مشتركة في الآخرة بحسب القصد والفعل والتسبب والدعوة والاتباع وما يثبته الدليل. ومن ثم ينبغي الفصل بين «محل الأثر في الدنيا» و«مسؤولية المكلف أمام الله». فالقرآن يقرر من جهة: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (الأنعام: 164)، ويقرر من جهة أخرى مسؤولية الإنسان عن سعيه وما قدمه؛ فلا يصح أن تذوب المسؤولية الفردية في مفهوم مبهم للجماعة.
ثالثاً: خريطة المآل: تعدد جهات التقسيم
لا ينضبط المآل بتقسيم واحد؛ لأن السؤال عنه قد يتعلق بالدار أو بالمحل أو بالزمان أو بدرجة الثبوت أو بطبيعة الصلة بين الفعل والنتيجة. ولذلك تقترح الدراسة خريطة متعددة الجهات تمنع خلط الأنواع وتعين الفقيه على معرفة السؤال الذي يجيب عنه في كل مرحلة.
جهة التقسيم | الأقسام | الأثر في البحث |
|---|---|---|
دار العاقبة | دنيوي وأخروي | يحدد طريق المعرفة؛ فالدنيوي قد يثبت بالخبرة المعتبرة، أما تفصيل الأخروي فبالوحي. |
محل الأثر | فردي وأسري وجمعي وأممي وعمراني | يبين من يتأثر بالفعل ولا ينشئ داراً ثالثة إلى جانب الدنيا والآخرة. |
الزمن | قريب ومتوسط وبعيد ونهائي | يمنع حصر الحكم في النتيجة العاجلة ويكشف أثر البعد الزمني في قوة الإسناد. |
درجة الثبوت | منصوص ومتحقق وغالب ومحتمل وموهوم | يحدد مقدار الاعتماد على التوقع ويمنع بناء الأحكام على التخوف المجرد. |
رابطة الإفضاء | مباشر ومتسبب ومعان وشرط بعيد ومستقل عنه | تحدد إمكان نسبة العاقبة إلى الفاعل شرعاً. |
صاحب القرار | مكلف ومفتٍ وقاضٍ وولي أمر | يفصل بين صلاحيات مختلفة لا يجوز جمعها تحت عنوان المصلحة. |
رابعاً: من الذرائع إلى الشاطبي: موقع المآل في المسار السني
تظهر العناية بعواقب الوسائل في الفقه السني قبل أن تتبلور عبارة «مآلات الأفعال» بصورتها المشهورة. ومن أوضح الصيغ ما قرره القرافي في باب الوسائل؛ إذ جعل الذريعة وسيلةً تتبع حكم ما تفضي إليه، وقرر أن الذريعة كما تسد عند إفضائها إلى المحرم تفتح عند إفضائها إلى الواجب، مع مراعاة تفاوت رتبة الوسائل بتفاوت مقاصدها (القرافي، د.ت.، ج2، ص. 33). وتكشف هذه الصياغة أن النظر في الإفضاء لم يكن عند المالكية مجرد أداة منع، بل كان بحثاً في علاقة الوسيلة بالغاية.
غير أن المدرسة السنية نفسها لم تجعل كل إمكان بعيد موجباً للمنع؛ فمباحث الذرائع تقوم على درجات الإفضاء وعلى موازنة قوة المصلحة والمفسدة وعلى تمييز الوسيلة التي يغلب اتصالها بالمحرم من الوسيلة التي لا يثبت فيها ذلك. وهذا التفصيل مهم للمقارنة مع الفقه الإمامي؛ لأن الفارق لا يقع بين مدرسة «تنظر إلى النتائج» ومدرسة «لا تنظر إليها»، بل بين مسالك مختلفة في إثبات صلة النتيجة بالفعل وفي تحديد الطريق الشرعي الذي تدخل منه العاقبة إلى الحكم.
ثم جاء الشاطبي فصاغ القضية بصراحة أوسع، مقرراً أن «النظر في مآلات الأفعال» مقصود شرعاً، وأن المجتهد لا يحكم على فعل بالإقدام أو الإحجام من غير نظر فيما يؤول إليه، فقد يكون الفعل مشروعاً في أصله ثم يؤدي إلى مفسدة تساوي مصلحته أو تزيد عليها، وقد يقع العكس (الشاطبي، 1997، ج5، صص. 177-178). كما يصرح في السياق نفسه بأن مصالح المكلفين دنيوية وأخروية، فيمنع هذا النص حصر المآل في الدنيا وحدها.
وتتمثل قيمة البناء الشاطبي في أنه جمع تحت عنوان واحد ظواهر كانت موزعة في مباحث الوسائل والذرائع والمقاصد وتحقيق المناط. غير أن هذا الاتساع يثير، من زاوية الفقه الإمامي، سؤالاً دقيقاً: هل يكفي ثبوت مصلحة أو مفسدة في المآل حتى يتولد منها حكم شرعي؟ أم لابد من بيان معتبر يربط تلك العاقبة بالحكم؟ هنا تبدأ نقطة الاختلاف الأصولي التي ينبغي ألا تغطيها وحدة اللغة المعاصرة حول «فقه المآلات».
خامساً: الأساس الإمامي المبكر: رفض تحويل المصلحة المتوقعة إلى دليل مستقل
يبدأ ضبط المسألة في الصناعة الإمامية من حدود الحجية. فالشيخ الطوسي، مع بحثه الواسع لأدلة الاجتهاد، يرفض الاعتماد على القياس من غير دليل سمعي معتبر، ويقرر أن جواز استعمال طريق عقلي في نفسه لا يكفي حتى يثبت أن الشارع جعله طريقاً إلى الحكم (الطوسي، د.ت.، ص. 89). والدلالة المنهجية لهذا الموقف تتجاوز باب القياس؛ إذ تؤسس للفصل بين أن يدرك العقل علاقة نافعة أو مناسبة وبين أن يكون هذا الإدراك بنفسه حجة على حكم الله.
ويظهر هذا الفصل بصورة أكثر اتصالاً بموضوعنا عند المحقق الحلي في بحث المصالح المرسلة. فبعد مناقشة صور المصلحة التي لم يشهد لها أصل معين، يقرر في المصالح الجزئية أنه «لا يجوز التعويل على المصالح المرسلة فيها إلا مع دلالة شرعية تدل على اعتبارها»، ثم يبين أن مجرد الظن بالمصلحة لا يساوي العلم بأن الله كلف بها (المحقق الحلي، 1403هـ، ص. 305). وهذه العبارة تصلح قاعدةً حاكمة في بحث المآل كله: قد يكون للفعل أثر نافع أو ضار بحسب تقدير البشر، لكن انتقال هذا الأثر إلى مرتبة الحجية الشرعية يحتاج إلى باب شرعي معتبر.
ولا يعني ذلك أن المحقق الحلي أو غيره يعزل الحكم عن الواقع؛ بل يعني أن الواقع لا يتحول بنفسه إلى خطاب شرعي. فالفرق كبير بين أن يتغير موضوع الحكم بسبب واقعة خارجية ثابتة، أو يتحقق ضرر دل الشرع على أثره، أو يقع تزاحم بين حكمين ثابتين، وبين أن يقول المجتهد: أرى هذه النتيجة أصلح، فهي حكم الله. الأول استنباط وتنزيل داخل الأدلة، والثاني يخاطر بجعل تقدير المصلحة مصدراً مستقلاً.
ومن هنا يمكن صياغة الفرق الأول بين البناء الشاطبي والبناء الإمامي كما تكشفه المصادر المدروسة: الشاطبي يجعل «النظر في المآلات» عنواناً جامعاً واسعاً، بينما يميل الخط الإمامي إلى تفكيك الحالات وإعادتها إلى أدلتها وعناوينها الخاصة. وهذه ليست أفضلية مطلقة لأحد البناءين، لكنها تكشف وظيفة يمكن لمنطق البيان أن يستفيد منها: أن يجمع الظاهرة من غير أن يلغي الأبواب التي تضبط حجيتها.
وتظهر أهمية هذا الفرق عند اختبار المصطلح على أبواب الفقه. فلو قيل مثلاً إن حفظ النفس «مآل حسن» ثم بنيت عليه الأحكام مباشرة، لضاعت الفروق بين وجوب حفظ النفس وقاعدة نفي الضرر والتزاحم والتقية والاضطرار. وكل واحد من هذه الأبواب يملك موضوعاً وشروطاً وآثاراً لا يجوز اختزالها في حسن النتيجة. وكذلك لا يصح أن يسمى كل خوف من اضطراب السوق «مآلاً اجتماعياً» ثم يستخرج منه المنع؛ بل يسأل: هل هناك حق ثابت أو ضرر معتبر أو إخلال بوظيفة واجبة أو قرار يدخل في صلاحية عامة؟ وبذلك يحفظ التحليل الواقعي من غير أن تتسع دائرة الحكم بغير دليل.
كما تكشف هذه المرحلة أن قيمة التراث الإمامي للمقالة ليست في العثور على لفظ مطابق لـ«المآل»، بل في تقديم شبكة من القيود التي تمنع انفلاته: قيد الدليل عند الطوسي والمحقق الحلي، وقيد الإسناد والقصد في مباحث المقدمة والإعانة، وقيد ثبوت الجهتين في التزاحم، وقيد الموضوع في الضرر والعناوين الثانوية، وقيد الصلاحية في الحكم العام. وهذه القيود مجتمعة تسمح بتكوين نظرية أوسع من كل باب على حدة، لكنها في الوقت نفسه تمنع النظرية الجامعة من أن تتحول إلى أصل فضفاض.
خريطة أبرز المباحث الإمامية المتصلة بوظيفة المآل
العالم | المبحث المتصل بالمآل | الدلالة الرئيسة |
|---|---|---|
الشيخ الطوسي | حدود القياس والحجية | لا يكفي جواز طريق عقلي في نفسه؛ يحتاج العمل به في الحكم الشرعي إلى دليل معتبر (د.ت.، ص. 89). |
المحقق الحلي | المصلحة المرسلة | لا يعتمد على المصلحة الجزئية المرسلة إلا بدلالة شرعية تدل على اعتبارها (1403هـ، ص. 305). |
المحقق النراقي | مقدمة الحرام والإفضاء | يميز السبب والشرط وقصد التوصل، فيمنع تسوية كل مقدمة بعيدة بالسبب المؤثر (1417هـ، صص. 71-75). |
الشيخ الأنصاري | الإعانة وبيع العنب | يفرق بين قصد الإعانة والعلم اللاحق بفعل الغير وبين صدق الإعانة عرفاً (د.ت.، ج1، ص. 129؛ صص. 139-141). |
الآخوند الخراساني | التزاحم | يبحث تقديم الجهة الغالبة عند تزاحم المقتضيات بعد إحرازها (1409هـ، ص. 175). |
السيد الخوئي | الإعانة وصلة الفعل بالنتيجة | لا يجعل مجرد استعمال المشتري اللاحق للمبيع في الحرام كافياً دائماً لتحريم البيع (1992، ج1، ص. 280). |
الإمام الخميني | الضرر والحكم السلطاني | يفسر معالجة مورد سمرة في نطاق الحكم السلطاني وقطع مادة فساد متوقع (1415هـ، ص. 123). |
السيد محمد باقر الصدر | التزاحم والتدبير المتغير | يقرر تقديم الأهم ملاكاً في التزاحم، ويفرق بين التشريع الثابت ومجال التنظيم العام المتحرك (د.ت.، ج3، صص. 190-191؛ 1987، صص. 380-381). |
السيد السيستاني | حفظ انتظام الحياة والضلال | يمثل لما يتوقف عليه النظام بعلوم الزراعة والصناعة والطب، ويراعي احتمال الضلال ووجود مصلحة أهم (1445هـ، ج2، ص. 14). |
سادساً: الإفضاء والإسناد في الفقه الإمامي: من النراقي إلى الأنصاري والخوئي
تكشف مباحث مقدمة الحرام والإعانة على الإثم أن مجرد معرفة النتيجة المستقبلية لا تكفي دائماً لنسبتها إلى الفاعل. وقد فصل النراقي في «عوائد الأيام» بين صور المقدمة؛ فحيث تكون المقدمة سبباً داخلاً في تحقق الحرام يختلف الحكم عما إذا كانت شرطاً بعيداً لا يقصد بها التوصل إليه، كما اعتنى بقصد التوصل وبكيفية ارتباط الفعل بالمحرم (النراقي، 1417هـ، صص. 71-75). وهذا التفصيل بالغ الأهمية؛ لأنه يمنع نظرية المآل من القفز فوق بنية السببية.
ويصبح الأمر أوضح في معالجة الشيخ الأنصاري لبيع العنب ممن يعمله خمراً. فهو يقرر حرمة البيع إذا وقع بقصد أن يستعمل المشتري المبيع في الحرام، لكنه ينقل ذهاب الأكثر إلى عدم التحريم إذا لم يكن البيع بهذا القصد، ثم يفصل في معنى الإعانة وصدقها العرفي وعلاقة قصد المشتري بقصد البائع (الأنصاري، د.ت.، ج1، ص. 129؛ صص. 139-141). ومن ثم لا يساوي علم البائع بأن المشتري قد يعصي بعد البيع كون البيع نفسه إعانة محرمة في كل صورة.
ويتابع السيد الخوئي البحث في الروايات الواردة في بيع العنب أو العصير ممن يصنعه خمراً، ويستند إلى النصوص التي تفرق بين بيع الشيء في حال حله وبين ما يفعله المشتري به بعد انتقاله إليه، فلا يجعل العاقبة اللاحقة وحدها كافية لإلحاق حكم الحرام بالفعل السابق (الخوئي، 1992، ج1، ص. 280). ولا يراد من ذلك تقرير قاعدة عامة بعدم الاعتداد بالنتائج، بل إثبات قاعدة أدق: لابد من تحقيق نسبة النتيجة إلى الفعل الذي يراد الحكم عليه.
وعليه ينبغي أن تدخل في نظرية المآل أربعة أسئلة قبل أي حكم: هل الفعل سبب أو شرط أو مجرد ظرف؟ وهل قصد الفاعل التوصل إلى النتيجة؟ وهل تدخل إرادة مستقلة لشخص آخر فتقطع الإسناد أو تضعفه؟ وهل يصدق عرفاً أن الفاعل أعان أو تسبب أو أن النتيجة بعيدة لا تنسب إليه؟ فإذا لم تجب النظرية عن هذه الأسئلة تحولت من فقه للعاقبة إلى تحميل للإنسان آثار أفعال غيره.
وهنا يظهر أحد أهم التصحيحات المقترحة: «توقع المآل لا يساوي نسبة المآل إلى الفاعل شرعاً». فقد يكون المآل معلوماً أو غالباً، ومع ذلك لا يكون الفعل الأول هو الموضوع الذي نسب الشرع إليه النتيجة. وقد يكون الاحتمال أقل من اليقين، لكن طبيعة الفعل وقصده ودرجة إفضائه تجعل الحكم مختلفاً. ولذلك لا يصح بناء درجات الحجية على مقدار الاحتمال وحده؛ بل لابد من جمع درجة الثبوت مع رابطة الإسناد.
سابعاً: التزاحم والملاك: المآل لا يساوي موازنة المنافع
يعد باب التزاحم من أقرب الأبواب الإمامية إلى بعض الوظائف التي توصف اليوم بالنظر في المآلات، لكن الخلط بينهما مضر. فالتزاحم لا يبدأ من نتيجتين بشريتين ثم يختار أنفعهما، بل من تكليفين أو جهتين شرعيتين لا يتمكن المكلف من امتثالهما معاً في مقام العمل. وعندئذ يبحث الأصولي عن الأهم أو الأرجح وفق المرجحات المعتبرة.
وقد عبر الآخوند الخراساني في سياق اجتماع المؤثرين والمقتضيين عن تقديم الغالب إذا أحرز، وهو جزء من بناء واسع يميز مقام جعل الحكم من مقام التزاحم في التأثير والفعلية (الخراساني، 1409هـ، ص. 175). ويقرر السيد محمد باقر الصدر في تقريره لقاعدة التزاحم أن القانون الذي تعالج به حالاته هو تقديم الأهم ملاكاً عند ثبوت الأهمية، مع بقاء التفصيل بحسب قدرة المكلف وترتب الخطابين (الصدر، د.ت.، ج3، صص. 190-191).
ومن هنا يجب مقاومة صياغة شائعة تقول: «إذا كان مآل الحكم سيئاً قدمنا المصلحة الأهم». فهذه العبارة تقفز على مراحل أساسية: ما الحكم المزاحم؟ وما دليله؟ وما ملاكه المحرز بقدر يسمح به علم الأصول؟ وهل التعارض في مقام الجعل أو الامتثال؟ وهل النتيجة نفسها عنوان شرعي أو مجرد تقدير؟ فالمآل قد يكشف أن في الواقعة جهة أخرى لم تكن ملحوظة، لكنه لا ينشئ وحده حكماً مزاحماً.
ويترتب على ذلك أن نظرية المآل البيانية لا ينبغي أن تستبدل باب التزاحم، بل تستعمله حين يكشف الاستشراف عن اجتماع جهتين شرعيتين في مقام التطبيق. فإذا أدى تنفيذ فعل مأمور به في حالة مخصوصة إلى تفويت واجب أهم ثبت بدليله، فالمعالجة معالجة تزاحم. أما إذا كانت «المفسدة» مجرد عدم ارتياح اجتماعي أو خسارة غير محرمة أو احتمالاً بعيداً، فلا يجوز تسمية ذلك تزاحماً لتجاوز الحكم الأول.
ثامناً: الضرر والتدبير العام: من نفي الضرر إلى الحكم الولائي
يظهر أثر النظر في النتائج أيضاً في مباحث الضرر، لكن من المهم التفريق بين الضرر بوصفه عنواناً ثبتت له أدلة خاصة وبين «المآل الضار» بوصفه تقديراً عاماً. فليست كل خسارة أو مشقة ضرراً رافعاً أو مغيراً للحكم، كما لا يثبت حكم الضرر بمجرد توقع مرسل. ولهذا يحتاج الفقيه إلى تحقيق الموضوع ودرجة الضرر ونسبته وطريق دخوله تحت الدليل.
وتكشف قراءة الإمام الخميني لواقعة سمرة بن جندب بعداً آخر ذا صلة بالمآل العام. ففي «بدائع الدرر» يفسر الأمر بقلع النخلة ضمن الحكم السلطاني، ويربط الإجراء بقطع مادة الفساد المتوقع في المقام (الخميني، 1415هـ، ص. 123). وتفيد هذه القراءة أن بعض القرارات التي تنظر إلى فساد متوقع لا تندرج بالضرورة في تغيير حكم شرعي ثابت لكل مكلف، بل قد تقع ضمن صلاحية الحاكم في تدبير مورد عام أو إزالة مادة عدوان.
ويقارب السيد محمد باقر الصدر المسألة من زاوية مختلفة في حديثه عن «منطقة الفراغ» في النظام الاقتصادي؛ إذ يميز بين التشريع الثابت وبين المجال الذي يترك لولي الأمر ليمارس فيه صلاحية تنظيمية بحسب الأهداف العامة والظروف المتحركة، ويقرر أن بعض تصرفات النبي في هذا المجال صدرت بصفته ولياً للأمر لا بصفته مبلغاً لحكم ثابت إلى الأبد (الصدر، 1987، صص. 380-381). وهذه التفرقة حاسمة في بحث المآل؛ لأنها تمنع أن تحمل كل استجابة لظرف اجتماعي متغير على أنها اكتشاف لحكم أولي عام.
وفي الفقه المعاصر للسيد السيستاني يظهر عنوان «ما يتوقف عليه النظام» في الواجبات الكفائية، ومن أمثلته تعليم بعض علوم الزراعة والصناعة والطب، كما يربط حفظ كتب الضلال واحتمال ترتب الضلال عليها بوجود مصلحة أهم أو بأمن الضلال (السيستاني، 1445هـ، ج2، ص. 14). وتكشف هذه الأمثلة أن النتيجة الاجتماعية معتبرة، لكن داخل عناوين محددة: توقف انتظام حياة الناس على عمل، أو احتمال إضلال، أو وجود مصلحة أهم؛ لا بوصف كل مصلحة اجتماعية مصدراً مستقلاً.
ومن هنا يلزم التفريق بين مآل فعل المكلف الفردي ومآل الفتوى ومآل القضاء ومآل القرار العام. فصلاحية الشخص في أن يغير سلوكه دفعاً لضرر شخصي ليست هي صلاحية الفقيه في إعلان حكم عام، وصلاحية القاضي في فصل خصومة ليست هي صلاحية ولي الأمر في تنظيم شأن مشترك. وكلما اتسعت دائرة الأثر اتسع واجب التحقق من الصلاحية ومن المعلومات ومن حقوق المتأثرين.
تاسعاً: «حفظ النظام» في ميزان القرآن: ماذا نحفظ؟
يستعمل الفقه الإمامي عنوان حفظ النظام أو دفع اختلاله في موارد متعددة، وهو عنوان ذو قوة عملية كبيرة. لكن قوته نفسها تفرض إعادة تحريره قرآنياً؛ لأن عبارة «النظام» قد تنصرف في الاستعمال الحديث إلى السلطة السياسية القائمة، بينما كثير من الاستعمالات الفقهية القديمة تقصد انتظام معاش الناس وحفظ مصالح حياتهم التي لا تستقيم إلا بتعاونهم في الطب والصناعة والزراعة والقضاء والأمن ونحوها. والخلط بين المعنيين قد يجعل بقاء أي بنية قائمة مصلحة شرعية بذاتها.
أما القرآن فيجعل الغاية الحاكمة في الاجتماع إقامة القسط: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ (الحديد: 25). ويأمر الإنسان أن يقوم بالقسط ولو على نفسه أو الأقربين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (النساء: 135). ولذلك لا يمكن جعل «حفظ النظام» قيمةً فوق القسط، بل يفسر بما يحفظ قيام حياة الناس وحقوقهم ووظائفهم المشروعة في نظام قائم بالقسط أو متجه إليه.
وعليه تقترح الدراسة التفريق بين «حفظ انتظام حياة الناس» وبين «حفظ النظام القائم». الأول قد يكون واجباً حين يؤدي انهياره إلى ضياع النفوس والأموال والحقوق ووسائل المعاش، أما الثاني فلا يكون واجباً لمجرد وجوده؛ فقد يكون النظام نفسه قائماً على ظلم يحتاج إلى إصلاح. وبهذا يمنع منطق البيان توظيف المآل الاجتماعي في تثبيت الواقع السياسي دون عرضه على الميزان والقسط.
عاشراً: «وهن المذهب» وحدود الاحتجاج بصورة الدين
ومن العناوين القريبة من بحث المآل ما يعبر عنه في بعض الفتاوى بـ«وهن المذهب» أو ما يؤدي إلى تنفير الناس عن الدين. وهذه العناوين تحتاج إلى ضبط أشد؛ لأن مجرد استنكار الناس فعلاً دينياً أو سخرية المخالفين منه لا يمكن أن يكون سبباً كافياً لتحريمه. فالرسل والمؤمنون تعرضوا للاستهزاء واللوم، والقرآن يمدح قوماً ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ (المائدة: 54).
لكن ذلك لا يعني إهمال أثر السلوك في صد الناس عن الحق. فالقرآن يذم الصد عن سبيل الله، وينهى عن فعل مباح في ذاته إذا أدى في سياق معين إلى عدوان أعظم، كما في قوله: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (الأنعام: 108). هذه الآية من أقوى النصوص في أن المآل قد يدخل في نفس البيان الشرعي؛ لأن النهي اقترن بذكر ما يفضي إليه الفعل في ذلك السياق.
والميزان المقترح هو أن «وهن المذهب» لا يثبت بمجرد تغير الانطباع الاجتماعي، بل يحتاج إلى أثر شرعي معلوم أو غالب معتبر، مثل صد الناس عن سبيل الله بسبب نسبة باطل إلى الدين، أو إغراء الناس بباطل، أو إسقاط أمانة علمية أو خلقية واجبة، أو إبطال وظيفة شرعية أعظم. أما مجرد مخالفة أذواق المجتمع أو خوف اللوم فلا يكفي. وبهذا يتحول العنوان من أداة مرنة لإرضاء الرأي العام إلى عنوان منضبط بمدونة القرآن.
الحادي عشر: مآل الفعل ومآل الترك ومآلات البدائل
من أخطر وجوه النقص في كثير من استعمالات المآل أن يسأل الباحث: «ما الذي سيحدث إن فعلنا هذا؟» ثم يتوقف. وهذا السؤال ناقص؛ لأن الامتناع عن الفعل نفسه فعل اختياري ذو عواقب، كما أن الواقع قد يتيح بدائل متعددة. وقد يؤدي فعل معين إلى ضرر، لكن تركه يؤدي إلى ضرر أعظم، وقد يوجد بديل ثالث يحقق الغرض بأقل ضرر. فإذا حسب الفقيه مآل خيار واحد فقط صار تقديره انتقائياً.
ولهذا ينبغي أن تصبح وحدة التحليل ثلاثية: مآل الفعل ومآل الترك ومآلات البدائل الممكنة. فإذا أريد مثلاً منع نشر مادة نافعة بحجة احتمال إساءة استعمالها، فلا يكفي تقدير ضرر النشر؛ بل يقدر أيضاً ضرر المنع وضياع العلم والحقوق، ثم يبحث عن بدائل تقلل الضرر من غير إبطال الأصل. وإذا أريد إعلان فتوى في ظرف متوتر، فلا يكفي النظر إلى أثر الإعلان؛ بل ينظر إلى أثر السكوت والتأخير والتخصيص وطريقة البيان وما إذا كان واحد من هذه البدائل يحقق الحق مع تقليل الفساد.
وهذا المبدأ لا يحول الفقه إلى حساب نفعي؛ لأن البدائل لا تقارن خارج الأحكام، بل بعد تحديد ما هو جائز في أصله وما هو ممنوع وما هو واجب. فالبديل المحرم لا يصبح مشروعاً لمجرد أنه أقل كلفة دنيوية، كما أن الخيار المشروع لا يقدم لمجرد فائدته إذا كان يفوت واجباً أهم. فالموازنة تجري داخل حدود البيان والقسط لا فوقهما.
الثاني عشر: درجات ثبوت المآل ومن يملك تشخيصه
ليس كل مستقبل سواءً في إمكان معرفته. فقد يكون المآل منصوصاً في القرآن أو السنة، وقد يكون نتيجة سببية مستقرة تشهد لها الخبرة، وقد يكون غالباً بحسب معطيات قوية، وقد يكون احتمالاً متردداً، وقد يكون وهماً أو تخوفاً غير مستند إلى بينة. وكلما بني حكم على نتيجة مستقبلية زادت الحاجة إلى بيان مرتبة ثبوتها.
غير أن اليقين والظن وحدهما لا يحلان المشكلة؛ لأن ثبوت النتيجة شيء ونسبتها إلى الفعل شيء آخر، وصلاحيتها لتغيير التنزيل شيء ثالث. فقد نتيقن أن شخصاً سيستعمل ماله في معصية لاحقاً، ولا يلزم من ذلك أن كل معاملة سابقة معه محرمة، كما ظهر في بحث بيع العنب. وقد يكون احتمال الضرر غير يقيني لكن طبيعة الفعل تجعل الوقاية واجبة بنص خاص. ولذلك تحتاج «حجية المآل» إلى ثلاثة أركان متراكبة: ثبوت العاقبة أو رجحانها بطريق معتبر، وثبوت رابطة الإفضاء والإسناد، وثبوت الباب الشرعي الذي يجعل لتلك العاقبة أثراً في الحكم.
كما ينبغي التفريق بين ما يستطيع الفقيه تشخيصه بنفسه وما يحتاج فيه إلى أهل الخبرة. فالمآلات الطبية والاقتصادية والبيئية والاجتماعية المعقدة لا يصح أن تبنى على حدس المجتهد إذا كانت لها علوم وخبرات يمكن الرجوع إليها. وظيفة الفقيه ليست أن يحل محل الطبيب أو الخبير أو المحاسب، بل أن يحدد الأسئلة الشرعية ويزن ما يثبت من الواقع بميزان الأدلة. ويجب بدوره أن يفحص تعارض شهادات الخبراء ومصالحهم ودرجة الثقة في البيانات، لأن «قول الخبير» ليس كلمة معصومة.
أما المآل الأخروي فله حد مختلف: لا يثبت تفصيله بخبرة بشرية. وقد نستدل عقلاً على أصل المسؤولية أو على لوازم عامة، لكن تعيين الثواب والعقاب والدرجات والمقادير من شأن الوحي. ولهذا يجمع المنهج بين أوسع نظر ممكن في آثار الدنيا وبين أشد تحفظ في نسبة تفصيلات الغيب إلى الله.
الثالث عشر: القسط حاكم على تقويم المآلات
تتعرض نظريات النتائج لمشكلة أخلاقية وفقهية كبرى: ماذا لو حقق ظلم فرد واحد منفعة واسعة للجماعة؟ إذا جعلت المنفعة الجمعية هي الميزان الأعلى أمكن تبرير التضحية بالأفراد متى كثرت الأرباح الاجتماعية. أما القرآن فيقيم ميزاناً مختلفاً؛ فالقسط ليس مجرد نتيجة حسنة ضمن نتائج كثيرة، بل أمر حاكم على الفاعل وطريقة الفعل: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (المائدة: 8)، و﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ (النساء: 135).
ويتعزز هذا الحد في الفقه الإمامي المبكر عند المحقق الحلي حين يناقش المصالح غير المنصوصة ولا يجيز التعويل على تقدير المصلحة الجزئية من غير دلالة شرعية معتبرة (المحقق الحلي، 1403هـ، ص. 305). فالمصلحة الاجتماعية لا تخلق بنفسها رخصة في الاعتداء على حق ثابت. نعم، قد توجد موارد شرعية دقيقة تتزاحم فيها حقوق أو واجبات أو تحفظ فيها نفس جماعة في ظرف استثنائي، لكن معالجتها تمر عبر الأدلة الخاصة والتزاحم والولاية المشروعة، لا عبر قاعدة مبهمة تقول «مصلحة الأكثر تقدم دائماً».
ومن هنا يقترح منطق البيان قاعدة: «القسط يحكم طريق الوصول إلى المآل كما يحكم تقويم المآل نفسه». فلا يكفي أن تكون الغاية نافعة إذا كانت الوسيلة ظلماً لا دليل على جوازه، ولا يكفي أن يحفظ القرار نظاماً إذا كان النظام المحفوظ قائماً على إخسار ميزان الحقوق. ويعيد هذا القيد النظر في استعمالات «المصلحة العامة» و«حفظ النظام» و«سمعة الجماعة» ويجعلها جميعاً خاضعة للميزان.
الرابع عشر: هل يغير المآل الحكم؟ تحرير العبارة
القول بأن «المآل يغير الحكم» عبارة تحتاج إلى تصحيح. ففي كثير من الموارد لا يتغير الحكم الأول في نفسه، وإنما يتغير الموضوع أو يظهر عنوان ثانوي أو يقع تزاحم أو ينتقل المورد إلى دائرة تدبير ولي الأمر. فإذا كان شرب مادة مباحاً ثم ثبت أنها صارت سماً قاتلاً في مورد مخصوص، فليس معنى ذلك أن «المآل» نسخ حكم الإباحة، بل إن موضوعاً ضاراً أو مهلكاً تحقق. وإذا كان واجبان لا يمكن الجمع بينهما فقد دخل المورد في التزاحم، لا في باب تغيير النص بالنتيجة.
وكذلك إذا أصدر ولي الأمر تنظيماً مؤقتاً في شأن عام دفعاً لفساد متوقع، فالصحيح أن يبحث في أصل ولايته وحدودها وموضوع القرار ومدته ومصلحته المعتبرة، لا أن يقال إن «مآل الحكم الأول» أنشأ حكماً شرعياً ثابتاً جديداً. وتظهر فائدة هذا التفريق في كلام الإمام الخميني على الحكم السلطاني في مورد سمرة (الخميني، 1415هـ، ص. 123) وفي تمييز الصدر بين التشريع الثابت ومجال التنظيم المتحرك (الصدر، 1987، صص. 380-381).
وبناء عليه تكون العبارة الأضبط: «قد يكشف النظر في المآل عن تغير موضوع الحكم أو تحقق عنوان شرعي آخر أو وقوع تزاحم أو الحاجة إلى تدبير عام مشروع». وهذه العبارة تحفظ للفقيه حق النظر في الواقع من غير أن تجعل الواقع ناسخاً للدليل.
الخامس عشر: أربعة مجالات للمآل يجب عدم خلطها
يتغير وزن المآل وطريقة إثباته بحسب صاحب الفعل الذي يدرس. ويمكن تمييز أربعة مجالات رئيسة. الأول مآل فعل المكلف؛ وفيه يسأل عن المسؤولية الشخصية والقصد والتسبب والضرر والتكليف. والثاني مآل الفتوى؛ إذ قد يكون الحكم الشرعي واحداً لكن طريقة الإعلان أو التوقيت أو التفصيل لها آثار في فهم الناس وعملهم. والثالث مآل القضاء؛ حيث يترتب على الحكم القضائي حفظ الحقوق واستقرار المعاملات وقطع الخصومة، لكنه مقيد بأدلة القضاء وإجراءاته. والرابع مآل القرار العام؛ وهو أوسعها أثراً وأشدها حاجة إلى معلومات وصلاحية ومشاورة وضمانات.
ولا يملك المكلف الفردي ما يملكه القاضي، ولا يملك القاضي ما يملكه ولي الأمر، ولا تتحول خبرة الفقيه بالنص إلى خبرة تلقائية بعواقب الاقتصاد والطب والعمران. لذلك فإن نظرية المآل التي تتحدث عن «المجتهد» بإطلاق تخاطر بخلط مواقع السلطة والمسؤولية. ولعل هذا من المواضع التي يمكن لمنطق البيان أن يضيف فيها إلى البحث الأصولي المعاصر: أن يجعل «من صاحب القرار؟» سؤالاً سابقاً على «ما مآله؟».
السادس عشر: إعادة بناء المآل داخل منطق البيان
بعد هذا التحرير يمكن الاحتفاظ بلفظ «المآل» بوصفه أداة بيانية جامعة، لا لأنه لفظ قرآني مستقل، بل لأنه يختصر وظيفةً تكشفها شبكة ألفاظ القرآن بعد ضبطها. ويكون تعريفه المقترح: «المآل هو النهاية الدنيوية أو الأخروية التي يفضي إليها فعل أو ترك أو تنزيل حكم، والتي يثبت وقوعها أو رجحانها بطريق معتبر وتثبت صلتها بالفعل بوجه معتبر؛ ولا يكون لها أثر في الحكم لمجرد كونها نافعة أو ضارة، بل من حيث دخولها تحت بيان شرعي أو تحقق عنوان معتبر أو وقوع تزاحم بين جهات شرعية ثابتة أو دخولها في صلاحية تدبير عام مشروع».
ويحتاج هذا التعريف إلى قيد خاص بالآخرة: «أما المآل الأخروي فلا يثبت تفصيله إلا بوحي معتبر»، لأن عبارة «يثبت رجحانه بطريق معتبر» تصلح للمستقبل الدنيوي ولا تصلح وحدها للغيب. كما يحتاج إلى قيد الإسناد: لا يكفي أن تقع النتيجة بعد الفعل، بل يجب أن تكون مما يصدق إفضاء الفعل إليه أو تسبيبه أو إعانته على الوجه الذي يعتبره الشرع والعرف.
ومن جهة ترتيب العمل لا ينبغي أن يبقى المآل محطة واحدة بعد الحكم. فله وظيفتان: استشراف قبلي وتحقيق بعدي. في المرحلة القبلية يدرس الباحث ما يرجح أن يترتب على الفعل والترك والبدائل، ويختبر وجود عناوين جديدة أو تزاحم أو ضرر أو حاجة إلى تدبير عام. ثم يصدر الحكم التنزيلي بعد اكتمال تحقيق الموضوع. وفي المرحلة البعدية يراجع ما وقع فعلاً: هل صدقت مقدمات الاستشراف؟ وهل ظهرت آثار لم تكن محسوبة؟ وهل أخطأ تحقيق الموضوع؟ وبذلك يصبح الواقع مجال تحقق وتصحيح لا مصدراً ينازع الوحي.
وعليه يقترح المسار التالي: المدونة القرآنية ثم الدلالة والسياق ثم الشبكة ثم الميزان ثم الحكم الأولي ثم استشراف المآل ثم تحقيق الموضوع والعناوين والتزاحم ثم الحكم التنزيلي ثم المآل المتحقق ثم التصحيح. ولا يعني «الحكم الأولي» هنا بالضرورة المصطلح الفقهي الضيق في مقابل الثانوي، بل النتيجة السابقة على إدخال خصوصيات الواقعة التي يكشفها التحقيق الأخير؛ ويمكن في التحرير الفقهي الدقيق استبداله بعبارة «الحكم المستخرج قبل تمام تحقيق الواقعة» عند الحاجة إلى دفع الاشتراك.
وتتمثل القاعدة الجامعة في أن «المآل وظيفة كشف وتحقيق وليس دليلاً مستقلاً لإنشاء حكم الله». فهو يكشف أن موضوعاً تغير أو أن عنواناً آخر تحقق أو أن حكمين تزاحما أو أن تدبيراً عاماً صار مطلوباً ضمن ولاية ثابتة، لكنه لا يقول للفقيه: إذا أعجبتك نتيجة فاجعلها شرعاً. وبهذا يستفيد منطق البيان من سعة النظر الشاطبي في العواقب ومن صرامة المدرسة الإمامية في مسالك الحجية معاً.
السابع عشر: نماذج تطبيقية لاختبار الضوابط
يكشف التطبيق الأول، وهو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (الأنعام: 108)، نموذجاً قرآنياً صافياً للمآل المنصوص. فالفعل الأول هو سب المعبودات الباطلة، والعاقبة المذكورة هي أن يقابل المخاطبون ذلك بسب الله عدواناً. لا يحتاج المجتهد هنا إلى إنشاء علاقة من خارج النص؛ فالقرآن نفسه وصل الفعل بما يفضي إليه ونهى عنه في هذا السياق. ومع ذلك لا يستفاد من الآية أن كل فعل يثير غضب المخالفين ممنوع؛ لأن مناط البيان أخص: إفضاء هذا اللون من السب إلى عدوان على الله بغير علم. ومن ثم لا يجوز تحويل المورد إلى قاعدة نفسية عامة مضمونها «تجنب كل ما يستفز الآخر».
ويكشف التطبيق الثاني، وهو بيع العنب ممن يصنعه خمراً، الفرق بين المآل المنصوص أو المسند وبين المآل الذي يستقل به فاعل آخر. فالبائع قد يعلم أن المشتري يعصي، لكن الشيخ الأنصاري لا يسوي بين العلم بهذا المستقبل وبين قصد البائع الإعانة عليه، بل يحقق صدق الإعانة والقصد وطبيعة المنفعة (الأنصاري، د.ت.، ج1، ص. 129؛ صص. 139-141). ويستند الخوئي إلى روايات تجيز البيع في صور معروفة مع كون المشتري قد يستعمل المبيع في الحرام (الخوئي، 1992، ج1، ص. 280). فلو طبقنا قاعدة فضفاضة تقول «كل فعل يؤدي إلى محرم يحرم» لصادمنا الصناعة الفقهية نفسها؛ والصواب هو أن نسأل عن الإفضاء المعتبر والإسناد والمسؤولية المستقلة للمشتري.
أما التطبيق الثالث فيتعلق بحفظ انتظام حياة الناس. فإذا ثبت أن ترك طائفة بأسرها للطب أو الزراعة أو الصناعة يؤدي إلى اختلال معاش المجتمع وإتلاف النفوس والأموال، فهنا لا نتعامل مع «منفعة اجتماعية لطيفة»، بل مع قيام وظائف تتوقف عليها حياة الناس، وقد مثل السيد السيستاني لذلك ضمن الواجبات الكفائية بما يتوقف عليه النظام من بعض علوم الزراعة والصناعة والطب (السيستاني، 1445هـ، ج2، ص. 14). غير أن هذه القاعدة لا تخول السلطة أن تسمي كل سياسة تختارها «حفظاً للنظام»؛ إذ يجب إثبات التوقف وشرعية الوسيلة وحدود التكليف وعدم اصطدامه بحقوق أو أحكام أقوى.
ويكشف التطبيق الرابع الفرق بين الحكم الثابت والتدبير العام. فإذا واجه المجتمع فساداً متوقعاً من تصرف في مجال مشترك، فقد تكون الاستجابة قراراً ولائياً أو تنظيمياً لا حكماً أولياً عاماً. وقراءة الإمام الخميني لقضية سمرة مثال واضح؛ إذ يضع الأمر بقلع النخلة في إطار الحكم السلطاني وقطع مادة الفساد المتوقع (الخميني، 1415هـ، ص. 123). وعند الصدر تؤدي فكرة مجال التنظيم المتروك لولي الأمر وظيفة مشابهة في منع الخلط بين النص الثابت وما يملأ بحسب الظروف والأهداف العامة (الصدر، 1987، صص. 380-381).
وتفيد هذه النماذج قاعدة جامعة في التطبيق: لا يبدأ الفقيه من عبارة «النتيجة حسنة أو سيئة»، بل من تعيين نوع المورد. فإذا كان المآل منصوصاً اتبع النص، وإذا كان موضوعاً لعنوان شرعي حقق ذلك العنوان، وإذا كان تزاحماً طبق قواعده، وإذا كان إعانة أو تسبباً حقق رابطة الإسناد، وإذا كان تدبيراً عاماً أثبت صلاحية مصدر القرار وحدود ولايته. بهذا وحده يبقى المآل خادماً للاستنباط لا بديلاً منه.
الثامن عشر: اعتراضات أصولية متوقعة وأجوبتها
الاعتراض الأول: إذا كان القرآن نفسه يذكر العواقب، فلماذا لا يكون المآل دليلاً مستقلاً؟ والجواب أن ذكر القرآن للعاقبة دليل من القرآن، لا دليل مستقل اسمه «المآل». ففي آية الأنعام مثلاً ثبت النهي والدلالة على الإفضاء من النص نفسه: ﴿فَيَسُبُّوا اللَّهَ﴾. أما إذا قدر الفقيه عاقبة لم ينص عليها الوحي، فيحتاج إلى بيان كيف تدخل تحت عنوان شرعي معتبر. فالفارق بين «القرآن يحتج بالعاقبة» و«كل عاقبة يقدرها المجتهد حجة» فارق جوهري.
الاعتراض الثاني: أليس رفض المآل المستقل إنكاراً للمقاصد والمصالح؟ والجواب أن محل النزاع ليس وجود المصالح والمفاسد في التشريع، بل طريق إثبات الحكم منها. وقد أكد المحقق الحلي عدم كفاية المصلحة المرسلة في الجزئيات من غير دلالة شرعية (المحقق الحلي، 1403هـ، ص. 305). ومنطق البيان لا ينكر المصالح، بل يطالب بأن تعرض على البيان والميزان والقسط وألا تتحول إلى تشريع بشري باسم غاية حسنة.
الاعتراض الثالث: إذا كان التزاحم يعالج الأهم والمهم، فلماذا نحتاج إلى مفهوم المآل أصلاً؟ والجواب أن المآل أوسع من التزاحم من حيث وظيفة كشف الواقع؛ فقد يكشف عن تحقق ضرر أو تغير موضوع أو أثر اجتماعي يحتاج إلى تنظيم من غير أن يقع تزاحم اصطلاحي. لكنه أضيق من أن يكون بديلاً عن جميع هذه الأبواب؛ فهو عنوان تنظيمي يجمع مرحلة النظر في النهاية ولا يلغي الأحكام التي تحدد أثرها.
الاعتراض الرابع: أليس إدخال المآل الأخروي في بحث فقهي عملي توسعاً لا حاجة إليه؟ والجواب أن السؤال عن «العاقبة» في القرآن لا يستقيم مع حذف الآخرة، وأن الفقه نفسه متعلق بامتثال المكلف وما يترتب عليه من ثواب وعقاب. لكن إدخال الآخرة لا يعني أن الفقيه يتنبأ بالغيب؛ بل يعني أن ما كشفه الوحي من المآل الأخروي جزء من وزن الفعل، مع الاقتصار على حدود النص.
الاعتراض الخامس: إذا كانت العاقبة الاجتماعية مآلاً دنيوياً، فهل تختفي خصوصيتها؟ والجواب أنها لا تختفي، وإنما يوضع تصنيفها في موضعه الصحيح. فلها خصوصية من جهة محل الأثر واتساع عدد المتأثرين وطول السلسلة السببية والحاجة إلى أهل الخبرة وإمكان تدخل السلطة العامة، لكن هذه الخصائص لا تجعلها «داراً» ثالثة غير الدنيا والآخرة.
الاعتراض السادس: هل يؤدي اشتراط الإسناد السببي إلى تعطيل الوقاية قبل وقوع الضرر؟ والجواب لا؛ لأن الوقاية نفسها قد يكون لها دليل خاص، وقد تقوم على احتمال معتبر في موارد خطرة. المقصود فقط ألا ينسب إلى الشخص كل شر يمكن أن يقع بعد فعله. ومباحث النراقي والأنصاري والخوئي في المقدمة والإعانة وبيع العنب تبين أن الصناعة الفقهية تميز درجات الارتباط ولا تسوي بينها (النراقي، 1417هـ، صص. 71-75؛ الأنصاري، د.ت.، ج1، صص. 139-141؛ الخوئي، 1992، ج1، ص. 280).
الاعتراض السابع: هل تجعل قاعدة القسط الحقوق الفردية مطلقة بحيث تمنع أي تضحية في حال الضرورات العامة؟ والجواب أن الدراسة لا تدعي إطلاقاً من هذا القبيل؛ فقد توجد موارد استثنائية تتزاحم فيها حقوق وواجبات عظيمة. المقصود أن «المصلحة الجمعية» لا تكفي عنواناً مجرداً لإهدار الحق، بل يجب أن تمر عبر دليل يجيز التقديم في مورد الضرورة أو التزاحم وأن تضبط بقدرها. القسط يمنع التذرع بالمجموع لإباحة الظلم، ولا يمنع الأحكام الشرعية الاستثنائية التي ثبتت بأدلتها.
الاعتراض الثامن: هل معيار «أهل الخبرة» نفسه غير منضبط؟ نعم، ولذلك لا يكفي الاستناد إلى لقب الخبير. يجب تحديد مجال اختصاصه ودرجة اتفاق أهل الفن وقوة الأدلة الواقعية وإمكان التحيز وتغير المعطيات. ومنطق البيان لا يضع قاعدة فقهية بديلة لعلم الخبرة، بل يلزم الفقيه بإظهار الأساس الواقعي الذي بنى عليه توقعه وعدم إخفائه تحت تعبير عام مثل «المصلحة تقتضي».
الاعتراض التاسع: ألا يجعل التفريق بين مآل الفتوى ومآل الحكم الشرعي الفقيه متردداً في بيان الحق؟ والجواب أن أصل البيان شيء وكيفية البيان شيء آخر. لا يجوز كتمان ما وجب بيانه بمصلحة موهومة، لكن للخطاب شروطاً من الحكمة والدقة ورفع الالتباس وترتيب الأولويات. فإذا كان أثر طريقة عرض الحكم موضوعاً شرعياً مستقلاً أمكن مراعاته، أما تغيير نفس الحكم إرضاءً للجمهور فشيء آخر.
الاعتراض العاشر: هل «منطق البيان» بذلك يعيد تسمية أصول الفقه الإمامي ولا يقدم جديداً؟ والجواب أن الإضافة ليست في اختراع حكم موازٍ، بل في جمع المباحث المتفرقة حول نهاية الفعل في مسار واحد يبدأ بالمدونة القرآنية وينتهي بالتحقق والتصحيح، مع منع هذا الجمع من إلغاء الفروق بين الضرر والتزاحم والإعانة والولاية. الجديد هو «خريطة التشغيل» وميزانها القرآني، لا استبدال التراث الأصولي بمصطلح جديد.
الاعتراض الحادي عشر: أليس استعمال لفظ «المآل» مخالفاً لقاعدة حاكمية القرآن على المصطلح ما دام اللفظ غير وارد بهذه الصيغة؟ والجواب أن القاعدة لا تمنع كل لفظ اصطلاحي غير وارد، بل تمنع اعتماده قبل تحرير معناه ومسلماته وعرضه على القرآن. وبعد هذا العرض يمكن استعماله بوصفه عنواناً خادماً إذا بقيت الألفاظ القرآنية هي الحاكمة ولم يفرض المصطلح على القرآن بنيةً أجنبية عنه. وإذا أريد مزيد احتياط أمكن استعمال «العاقبة والمآل» معاً في المواضع التأسيسية.
الاعتراض الثاني عشر: ماذا لو تعارض مآل دنيوي حسن مع مآل أخروي سيئ؟ والجواب أن المآل الأخروي المعلوم بالوحي ليس نتيجةً ضمن نتائج متساوية كي يوازنها الإنسان بمنفعة دنيوية؛ فحكم الله هو الميزان الذي يحدد قيمة الفعل. وقد تكون المصلحة الدنيوية المزعومة نفسها فتنة أو ابتلاءً. ولهذا لا تتحول حسابات النجاح القريب إلى معيار أعلى من العبودية والحق والقسط.
الخاتمة: جواب الفقيه والنتائج النهائية
يمكن بعد هذا المسار أن يجاب عن السؤال بصيغة دقيقة: المقصود بالمآل ليس مآل الفعل في الدنيا وحدها، بل يشمل ما كشفه القرآن من عاقبة دنيوية وأخروية. وأما «العاقبة الاجتماعية» فليست قسماً ثالثاً في مقابل الدنيا والآخرة؛ لأنها وصف لمحل الأثر، فهي في أصلها مآل دنيوي جمعي، وقد تتصل بمسؤولية أخروية بحسب ما يثبت من مشاركة أو تسبب أو دعوة أو اتباع. وبذلك يستقيم التصنيف من غير تداخل.
لكن التأصيل الأهم يتجاوز التصنيف إلى الحجية. فالمآل لا ينبغي أن يجعل في الفقه الإمامي دليلاً مستقلاً يضاف إلى الكتاب والسنة والعقل والإجماع أو يفتح باب المصلحة المرسلة. وتكشف نصوص الطوسي والمحقق الحلي والنراقي والأنصاري والخراساني والخوئي والخميني والصدر والسيستاني أن الصناعة الإمامية تعرف أثر النتائج من أبواب محددة: تغير الموضوع والعنوان والضرر والتزاحم والإعانة والتسبب وحفظ انتظام حياة الناس والولاية الشرعية. وكل باب منها يملك شروطه ولا يجوز إذابتها في شعار «مراعاة المآل».
كما خلص البحث إلى أن تقدير المستقبل لا يكفي ما لم تثبت رابطة الإفضاء والإسناد؛ وأن مآل الفعل يجب أن يقرأ مع مآل الترك ومآلات البدائل؛ وأن المآل الأخروي لا يثبت تفصيله إلا بوحي؛ وأن المآلات الواقعية المعقدة قد تحتاج إلى أهل الخبرة؛ وأن القسط يظل حاكماً على الوسيلة والنتيجة فلا تبرر منفعة جمعية مظنونة ظلماً لا دليل على جوازه؛ وأن «حفظ النظام» يجب أن يفسر ابتداءً بحفظ انتظام حياة الناس وحقوقهم لا بحفظ كل سلطة قائمة؛ وأن «وهن المذهب» لا يثبت بمجرد استنكار المجتمع بل بأثر شرعي معتبر.
وبناء عليه تقترح الدراسة القاعدة الجامعة الآتية: «المآل في منطق البيان وظيفة كشف وتحقيق، لا مصدر مستقل لإنشاء حكم الله». ويقصد بالكشف أنه يظهر ما إذا كان موضوع الحكم قد تغير أو تحقق عنوان آخر أو وقع تزاحم أو دخل المورد في تدبير عام مشروع، ويقصد بالتحقيق أنه يراجع بعد التطبيق صدق التوقعات وسلامة تحقيق الموضوع. وعلى هذا الأساس يصبح المآل جزءاً من انضباط الاجتهاد لا باباً لتحريره من النص.
ويمكن تلخيص الجواب النهائي للفقيه في عبارة واحدة: نعم، للمآل دائرة دنيوية وأخروية، وتشمل دائرته الدنيوية العاقبة الفردية والأسرية والاجتماعية والعمرانية، غير أن اتساع مجال النظر لا يعني اتساع الحجية؛ فكل مآل لا يؤثر في الحكم إلا بعد ثبوته وثبوت نسبته إلى الفعل ودخوله تحت بيان شرعي معتبر، ويظل الرجوع إلى الله والقسط حدين حاكمين على قراءة العواقب كلها: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ (النجم: 42) و﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ (الحديد: 25).
القاعدة المقترحة
المآل في منطق البيان وظيفة كشف وتحقيق، لا مصدراً مستقلاً لإنشاء حكم الله؛ فيُنظر إلى مآل الفعل ومآل الترك ومآلات البدائل، ولا يؤثر شيء منها في الحكم حتى يثبت بطريق معتبر وتثبت صلته بالفعل ويدخل تحت بيان شرعي، ويظل القسط والرجوع إلى الله حاكمين على تقويم العواقب كلها.
المصادر والمراجع
القرآن الكريم.
الأنصاري، مرتضى. (د.ت.). كتاب المكاسب (ج1). تحقيق لجنة تحقيق تراث الشيخ الأعظم. قم: المؤتمر العالمي بمناسبة الذكرى المئوية الثانية لميلاد الشيخ الأنصاري.
الخراساني، محمد كاظم. (1409هـ). كفاية الأصول (ط1). قم: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث.
الخميني، روح الله. (1415هـ). بدائع الدرر في قاعدة نفي الضرر (ط3). قم: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني.
الخوئي، أبو القاسم. (1992). مصباح الفقاهة في المعاملات (ج1، تقرير محمد علي التوحيدي، ط1). بيروت: دار الهادي.
الراغب الأصفهاني، الحسين بن محمد. (2009). مفردات ألفاظ القرآن (تحقيق صفوان عدنان داوودي، ط4). دمشق: دار القلم؛ بيروت: الدار الشامية.
السيستاني، علي الحسيني. (1445هـ). منهاج الصالحين (ج2، الطبعة المصححة). النجف الأشرف: مكتب السيد السيستاني.
الشاطبي، إبراهيم بن موسى. (1997). الموافقات (تحقيق أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، ط1، ج5). الخبر: دار ابن عفان.
الصدر، محمد باقر. (1987). اقتصادنا (ط20). بيروت: دار التعارف للمطبوعات.
الصدر، محمد باقر. (د.ت.). دروس في علم الأصول (ج3). دار المنتظر.
الطباطبائي، محمد حسين. (1997). الميزان في تفسير القرآن (ج19، ط1 محققة). بيروت: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات.
الطوسي، محمد بن الحسن. (د.ت.). العدة في أصول الفقه. تحقيق محمد مهدي نجف. مؤسسة آل البيت عليهم السلام للطباعة والنشر.
القرافي، أحمد بن إدريس. (د.ت.). أنوار البروق في أنواء الفروق (ج2). عالم الكتب.
المحقق الحلي، جعفر بن الحسن. (1403هـ). معارج الأصول (تحقيق محمد حسين الرضوي، ط1). قم: مؤسسة آل البيت عليهم السلام للطباعة والنشر.
النراقي، أحمد بن محمد مهدي. (1417هـ). عوائد الأيام (تحقيق مركز الأبحاث والدراسات الإسلامية، ط1). قم: مركز النشر التابع لمكتب الإعلام الإسلامي.