نقد علم المقاصد وإعادة بنائه من المدونة القرآنية
من القوائم الحافظة إلى النظام الغائي القرآني متعدد الطبقات
بحث تأسيسي معاد البناء بعد استنفاد صيغ الغاية والجذور الحاسمة واختبار المرشحين للمقصد الأعلى
نسخة علمية محققة – 2026
الملخص
يعيد هذا البحث النظر في علم المقاصد من جهة أسبق من الخلاف في عدد المقاصد وترتيبها، وهي جهة المدونة التي يُستخرج منها المقصد نفسه. وينطلق من أن التقسيمات الأصولية الكبرى، ولا سيما الضروري والحاجي والتحسيني، والضروريات الخمس، تمثل اجتهاداً علمياً بالغ القيمة في تنظيم المصالح التشريعية، لكنها لا يجوز أن تتحول من نتائج استقراء تاريخي إلى إطار سابق على القرآن يحصر نظام غاياته أو يحدد مراتبه ابتداءً. ولهذا أعيد بناء المدونة القرآنية على أساس استنفاد صيغ الغاية، والدراسة العمودية للجذور الحاسمة، والدراسة الأفقية للشبكات المفهومية، واختبار الإدراج والاستبعاد، والتمييز بين الأصل الحاكم والمعيار والغاية والوسيلة والثمرة والمآل.
وتكشف نتيجة الاستنفاد أن الفرضية الأولية التي صاغت عشرة مقاصد متتابعة من التوحيد إلى الرضوان لا تصمد بوصفها قائمة متجانسة؛ إذ لا ينتمي التوحيد والحق والميزان والعبودية والابتلاء والتفاضل والمآل إلى رتبة وظيفية واحدة. ويقترح البحث بدلاً من ذلك نظاماً غائياً متعدد الطبقات: يكون التوحيد فيه أصلاً حاكماً فوق المقاصد، ويكون الحق والميزان معيارين حاكمين، وتثبت العبودية والابتلاء في طبقة غايات الخلق والتكليف، ويثبت الهدى والرحمة والتزكية والبيان والتذكر في طبقة غايات التنزيل والرسالة، ويثبت القيام بالقسط والإصلاح والتعارف في طبقة الغايات الاجتماعية بحسب المجال، وتظهر التقوى والشكر والفلاح ثمرات للاستجابة، ويخرج التفاضل من المقاصد العليا إلى وصف النتيجة الرتبية أو مادة الابتلاء، ويغدو المآل أفق تحقق عابراً لجميع الطبقات، بينما يمثل رضوان الله أرفع وصف قرآني للمآل المحمود ضمن شبكة اللقاء والرجوع إليه.
وتقود هذه النتيجة إلى إعادة موضعة الضروريات الخمس باعتبارها محفوظات تمكينية تشريعية كبرى، لا غايات نهائية للخلق والتنزيل. كما تقترح قواعد للترجيح بين المقاصد تربط صراحة الدليل ورتبة المقصد ونطاقه بالحق والميزان والمآل، وتختبر ذلك في الخمر وبذل النفس والمال. والنتيجة الأهم أن إعادة بناء المقاصد من القرآن لا تنتهي إلى استبدال خمسة بعشرة، بل إلى تحرير بنية الغاية نفسها ومنع تسوية ما فرّق القرآن بين مراتبه ووظائفه.
الكلمات المفتاحية: المقاصد، المدونة القرآنية، الاستنفاد البياني، الغاية، التوحيد، الميزان، القيام بالقسط، المآل، الضروريات الخمس.
مقدمة: من نقد القائمة إلى نقد طريقة بناء القائمة
نشأ علم المقاصد في صلب التفكير الأصولي في المناسبة والمصلحة والحكمة وترتيب المصالح والمفاسد. وقد منح هذا المسار الفقه قدرة على رؤية الحكم ضمن غايته وعدم عزله عن نظام التشريع. غير أن نجاح التصنيف التاريخي قد يورث مشكلة منهجية إذا تحولت القوائم المستقرأة إلى أطر قبلية تُعرض عليها النصوص بدلاً من أن تبقى نتائج قابلة لإعادة الاختبار. ويظهر هذا بوضوح في شهرة الضروريات الخمس حتى غدت عند كثير من الكتاب المعاصرين مرادفاً شبه تلقائي لمقاصد الشريعة، ثم في محاولات توسيع القائمة بإضافة الحرية والكرامة والعدالة والتنمية وغيرها من غير اتفاق على قاعدة واحدة تحدد متى يكون المفهوم مقصداً أعلى، ومتى يكون وسيلة، ومتى يكون نتيجة، ومتى يكون قيمة حاكمة.
كانت النسخة الأولى من هذا البحث عرضة للمشكلة نفسها التي تنتقدها؛ فقد اقترحت عشرة مقاصد عليا: التوحيد والحق والميزان والهدى والعبودية والابتلاء والقيام والتفاضل والمآل والرضوان. وأثبتت المراجعة أن هذه الصياغة، على ما فيها من قوة استكشافية، ما تزال قائمة مستخرجة من مدونة محدودة، وتجمع مفاهيم مختلفة الوظائف في سطر واحد. لذلك لم يكن العلاج العلمي هو الدفاع عن العشرة أو زيادة أمثلة عليها، بل إخضاعها هي نفسها للاستنفاد والاختبار، وإدخال المنافسين الذين يمكن أن ينقضوا ترتيبها، مثل الرحمة والتزكية والتقوى والقسط والتعارف واللقاء.
وبهذا ينتقل البحث من سؤال: «ما المقاصد العليا؟» إلى أسئلة أسبق: ما الذي يسميه القرآن غاية صراحة؟ وما الفرق بين غاية الخلق وغاية التنزيل وغاية حكم جزئي؟ وما الفرق بين الأصل الذي يحكم الغايات والمعيار الذي يزنها والغاية التي يقصدها الفعل والثمرة التي تظهر بعده؟ وكيف يُمنع الباحث من رفع مفهوم واسع إلى رتبة المقصد الأعلى لمجرد كثرة وروده أو حسن معناه؟
أولاً: تحرير محل النزاع بين مقاصد الشريعة وغايات القرآن
يلزم أولاً منع الخلط بين ثلاثة مستويات كثيراً ما تتداخل في الكتابة المقاصدية: مقاصد الخلق، ومقاصد التنزيل والرسالة، ومقاصد التشريع والأحكام. فقول القرآن: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ (الذاريات: 56) يتحدث عن غاية خلق، وقوله: ﴿كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور﴾ (إبراهيم: 1) يتحدث عن وظيفة تنزيل ورسالة، وقوله في الفيء: ﴿كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم﴾ (الحشر: 7) يحدد غاية جزئية في توزيع المال. لا يصح أن توضع هذه النصوص في رتبة واحدة، كما لا يصح أن يُطلب من تقسيم فقهي في المصالح أن يجيب وحده عن سؤال غاية الخلق.
من هنا لا يوجَّه النقد إلى الغزالي لأنه لم يجعل العبودية أو الابتلاء ضمن الضروريات الخمس؛ فهو يناقش المصلحة في سياق أصولي مخصوص. فقد عرّف المصلحة في الأصل بجلب المنفعة ودفع المضرة، ثم خص المعنى المقصود أصولياً بالمحافظة على مقصود الشرع، وجعل مقصود الشرع من الخلق في هذا المقام حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال (الغزالي، د.ت.، ج2، صص. 482–483). وإنما يتجه النقد إلى رفع هذه الصياغة من سياقها الأصولي إلى مقام التمثيل الشامل للنظام الغائي القرآني، أو إلى استعمالها أداة تحصر بها مسبقاً كل غاية قرآنية في واحد من الخمسة.
وعند الشاطبي تتضح قوة النظام التصنيفي أكثر؛ إذ يجعل مقاصد الشريعة من حيث حفظ مصالح الخلق ثلاثة أقسام: ضرورية وحاجية وتحسينية، ويرتب ما دون الضروري في خدمته وتكميله. ويقرر أن مصالح الدين والدنيا مبنية على المحافظة على الأمور الخمسة، وأن الحاجيات والتحسينيات تدور حول الضروريات وتكملها (الشاطبي، 1997، ج2، صص. 17–20، 31–33). وهذه صياغة متينة داخل مقصدها التشريعي، لكنها لا تستلزم أن يكون «الحفظ» هو البنية العليا الوحيدة التي يصف بها القرآن غايات الخلق والتنزيل والرسالة.
وقد اتجه ابن عاشور إلى توسيع أفق المقاصد من حماية الضروريات إلى النظام العام للأمة وصلاحه، وجعل المقصد العام من التشريع متصلاً بحفظ نظام الأمة واستدامة صلاحه (ابن عاشور، 1946، صص. 194–199). ثم واصلت الكتابات المعاصرة هذا التوسع؛ فأبرز الريسوني أهمية الاستقراء وتغير تقدير المصالح والمفاسد باختلاف الأحوال والأولويات (الريسوني، 2007، ص. 288)، بينما سعى عودة إلى إعادة بناء النظر المقاصدي بخصائص كلية وتعددية وانفتاح وترابط وظيفي (Auda, 2008, pp. 192–245). تكشف هذه التحولات أن علم المقاصد نفسه لم يبق أسير قائمة جامدة، لكن يبقى السؤال: ما المرجع الأعلى الذي يضبط التوسع ويمنع تحويل المقاصد إلى قائمة قيم مرغوبة مفتوحة؟
ثانياً: معيار «المقصد الأعلى» قبل البحث عنه
لا يكفي أن يرد مفهوم في القرآن كثيراً أو أن يدل على قيمة عظيمة حتى يوصف بأنه مقصد أعلى. لذلك اعتمدت المدونة خمسة اختبارات متراكبة: صراحة الدليل الغائي، وامتداد المفهوم في السور والسياقات، وحاكميته على مفاهيم أدنى، وصلته بغرض الخلق أو التنزيل أو الرسالة، وامتداده إلى المآل. وأضيف إلى ذلك اختبار سادس نوعي هو «اختبار المنافس»: هل توجد آية تجعل مفهوماً آخر غاية للفعل الذي ظنناه دليلاً على هذا المرشح؟
ويمنع هذا المعيار ثلاثة أخطاء. يمنع أولاً مساواة الأصل بالمقصد؛ فالتوحيد قد يكون أسبق من المقاصد كلها. ويمنع ثانياً مساواة المعيار بالغاية؛ فالحق والميزان قد يحكمان صحة المقصد من غير أن يكونا غاية نهائية من جنس العبادة. ويمنع ثالثاً مساواة الثمرة بالسبب؛ فالفلاح قد يكون نتيجة للإيمان والتقوى والعمل، لا غاية خلق مستقلة.
ثالثاً: استنفاد صيغ الغاية: من البحث عن الكلمات إلى البحث عن البنية النحوية
أظهرت المراجعة أن دراسة الجذور وحدها غير كافية لبناء علم المقاصد من القرآن، لأن الغاية قد تُصرّح بها ببنية نحوية لا باسم «المقصد». لذلك أضيفت إلى المدونة صيغ لام التعليل، وكي ولكي، ولعل، وحتى الغائية، والقصر المتصل بالتعليل. وقد استعملت المدونة اللسانية القرآنية لضبط الموارد الصرفية والنحوية، مع الرجوع إلى سياق الآية قبل الحكم على الوظيفة.
يكشف البحث الصرفي أن «لعل» ترد بكثرة، وقد أحصى البحث اللساني 129 مورداً، لكن هذه الكثرة لا تعني أن كل مورد منها غاية تشريعية؛ إذ تتغير دلالتها بحسب المتكلم والسياق ومتعلقها. ومع ذلك تكشف أنماطاً متكررة ذات قيمة عالية في البحث، مثل ﴿لعلكم تتقون﴾ (البقرة: 21، 183)، و﴿لعلكم تشكرون﴾ (البقرة: 52)، و﴿لعلكم تفلحون﴾ (البقرة: 189)، و﴿لعلكم ترحمون﴾ (الأعراف: 204)، و﴿لعلهم يرجعون﴾ (الروم: 41). أما «كي/لكي» فترد في عدد أقل وتغلب عليها صراحة التعليل، مثل ﴿كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم﴾ (الحشر: 7) و﴿لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم﴾ (الحديد: 23).
وأظهر فحص «حتى» أن البحث اللفظي وحده مضلل؛ إذ ترد حتى في وظائف حدية وابتدائية لا غائية، ولذلك لا تدخل في المدونة المقاصدية إلا بعد التحليل النحوي. ومن الموارد الغائية الواضحة قوله تعالى: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله﴾ (البقرة: 193)، وقوله: ﴿فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله﴾ (الحجرات: 9). وهكذا يصبح الفرق بين «جمع الصيغ» و«استنفاد الدلالة» واضحاً: الأول يحصي، والثاني يفرز الوظيفة ويضعها في رتبتها.
أما لام التعليل فلا يصح إحصاؤها ببحث نصي بسيط لأن اللام متعددة الوظائف، بل يحتاج كل مورد إلى فرز صرفي ونحوي. ومع ذلك تظهر مجموعة من أقوى النصوص الغائية في القرآن بها: ﴿إلا ليعبدون﴾ (الذاريات: 56)، و﴿ليبلوكم أيكم أحسن عملا﴾ (الملك: 2)، و﴿ليقوم الناس بالقسط﴾ (الحديد: 25)، و﴿لتعارفوا﴾ (الحجرات: 13)، و﴿لتخرج الناس من الظلمات إلى النور﴾ (إبراهيم: 1)، و﴿ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب﴾ (ص: 29). هذه النصوص لا تنتج قائمة مسطحة؛ بل تكشف مباشرة اختلاف المجالات والمراتب.
رابعاً: الاستنفاد العمودي للجذور الحاسمة
أعيد فحص الجذور المركزية حتى لا تُبنى الرتبة على موضع واحد. وتفيد المدونة اللسانية القرآنية، بوصفها أداة إحصاء صرفي لا مرجعاً تفسيرياً، بأن جذر «ق ص د» محدود الورود، بينما تتسع جذور الرحمة والتقوى والهدى والقيام والحق وغيرها اتساعاً كبيراً. ولا يُستدل بالكثرة وحدها، لكن المقارنة تكشف خطأ افتراض أن اسم «المقاصد» القرآني يحمل تلقائياً العلم الاصطلاحي المتأخر. فجذر ق ص د في القرآن يدل في موارده على الاتجاه والاستقامة والتوسط والقرب ونحوها، ولا يقدم بذاته تصنيفاً أصولياً للغايات.
جدول 1. عينة من الجذور الحاسمة ووظيفتها بعد الاستنفاد
الجذر/المفهوم | عدد الورود في المدونة اللسانية | الوظيفة المستخلصة | الحكم البنيوي |
|---|---|---|---|
ق ص د | 6 | تحرير أصل المصطلح | لا يثبت العلم الاصطلاحي من اللفظ وحده |
ر ح م | 339 | صفة إلهية ووظيفة رسالة وأثر ومآل | مرشح قوي في طبقة الرسالة، لا قائمة مستقلة |
و ق ي | 258 | تقوى ووقاية واستجابة | ثمرة معيارية جامعة |
ز ك و | 59 | تزكية وزكاة ونماء وطهارة | غاية رسالية وتحويلية |
ق س ط | 25 | قسط وإقساط وقاسطون | غاية اجتماعية عند اقترانها بالقيام |
و ز ن | 23 | وزن وميزان وموازين | معيار حاكم |
ف ض ل | 104 | فضل وتفضيل | عطاء أو وصف رتبي أو نتيجة |
ر ج ع | 104 | رجوع ومرجع ورجعى | عنصر في المآل |
ل ق ي | 146 | لقاء وتلقي | أفق مآلي ونهائي |
وتبرز من هذا الاستنفاد نتيجة منهجية مهمة: لا يحدد عدد الورود رتبة المفهوم. فالميزان أقل وروداً من القيام والرحمة، لكنه يؤدي وظيفة معيارية شديدة الحاكمية، بينما التفاضل واسع الجذر لكنه لا يظهر في النصوص الحاسمة غاية مستقلة. وهكذا يجمع الاستنفاد بين الكم والوظيفة ولا يختزل أحدهما في الآخر.
خامساً: انهيار القائمة العشرية وبروز النظام متعدد الطبقات
كانت الفرضية الأولى تجعل التوحيد والحق والميزان والهدى والعبودية والابتلاء والقيام والتفاضل والمآل والرضوان مقاصد عليا متتابعة. وبعد إدخال صيغ الغاية والمنافسين واختبار الرتبة ظهر أن المشكلة ليست في أهمية هذه المفاهيم، بل في تسويتها من حيث النوع. فالقرآن لا يعامل «التوحيد» كما يعامل «التفاضل»، ولا يعامل «الميزان» كما يعامل «العبادة»، ولا «المآل» كما يعامل غاية حكم جزئي. ومن ثم فإن النتيجة ليست قائمة جديدة، بل بنية ذات طبقات ووظائف مختلفة.
1. التوحيد: الأصل الحاكم فوق المقاصد
يؤسس التوحيد وحدة المرجع في الخلق والعبادة والحكم والرجوع، ولذلك لا يستقيم وصفه بأنه مجرد مقصد موازٍ للهدى أو القسط. يقول تعالى: ﴿وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم﴾ (البقرة: 163)، ويجعل من غايات البلاغ ﴿وليعلموا أنما هو إله واحد﴾ (إبراهيم: 52). فالتوحيد يحدد لمن تكون الغاية ومن يضع الميزان وإلى من يكون الرجوع؛ ولهذا يوضع فوق السلم المقاصدي بوصفه أصلاً حاكماً، لا عنصراً في قائمة متجانسة.
2. الحق والميزان: معياران حاكمان لا نهايتان مقصودتان
يمنع الحق أن تتحول الرغبة أو المنفعة إلى مرجع مستقل، ويمنع الميزان الطغيان والإخسار في تقدير الأشياء. يقرر القرآن: ﴿فماذا بعد الحق إلا الضلال﴾ (يونس: 32)، ويصل بين بناء الكون ووضع الميزان ثم التكليف بإقامة الوزن بالقسط: ﴿والسماء رفعها ووضع الميزان * ألا تطغوا في الميزان * وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان﴾ (الرحمن: 7–9). ويعني ذلك أن الحق والميزان يحكمان المقاصد ولا يلزم أن يكونا غايتين نهائيتين من جنس العبادة والرضوان.
3. العبودية والابتلاء: غايتا الخلق والتكليف الأصرح
﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ (الذاريات: 56)
﴿الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا﴾ (الملك: 2)
يمتاز هذان النصان بصراحة غائية عالية واتصال مباشر بفعل الخلق. ولا يلزم من اجتماعهما التعارض؛ فالعبودية تحدد جهة الاستجابة، والابتلاء يحدد صورة وجود الإنسان في الحياة بوصفها مجالاً لاختبار أحسن العمل. ولهذا يكشفان قصور البناء الذي يجعل حفظ الموجودات غاية عليا بذاته؛ إذ قد يحفظ الشيء لأنه أداة للاختبار والعبادة، وقد يطلب بذله في موضع يحقق غاية أعلى بنص منضبط.
4. الهدى والرحمة والتزكية والبيان: غايات التنزيل والرسالة
لم يعد ممكناً بعد الاستنفاد حصر غاية التنزيل في الهدى وحده، مع مركزيته. فالقرآن يصف نفسه بالهدى، ويبين أن إنزاله للإخراج من الظلمات إلى النور، ويصل البيان بالهدى والرحمة، وتكرر في وظيفة الرسول التلاوة والتعليم والتزكية. يقول تعالى: ﴿وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون﴾ (النحل: 64)، ويقول: ﴿هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة﴾ (الجمعة: 2).
والرحمة هنا لا تضاف إلى قائمة المقاصد بلا تمييز؛ فهي في القرآن صفة لله، وأثر للرسالة، ووصف للتنزيل، وغاية أو نتيجة في سياقات أخرى. وإنما يثبت الاستنفاد أن إغفالها من البناء الأعلى للرسالة غير ممكن. وكذلك التزكية ليست غاية خلق كبرى في نص من رتبة الذاريات: 56، لكنها وظيفة رسالية تحويلية ثابتة. فالنتيجة هي تعدد وظائف طبقة الرسالة، لا ضرورة زيادة رقم في قائمة نهائية.
5. القيام بالقسط والإصلاح والتعارف: غايات الاجتماع والتشريع بحسب المجال
﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط﴾ (الحديد: 25)
أثبت الاستنفاد أن صياغة «القيام» وحدها أضعف من الصياغة القرآنية «القيام بالقسط». فالغاية المصرح بها في الحديد ليست مجرد الحركة والفعل، بل أن يقوم الناس بالقسط بواسطة البينات والكتاب والميزان. ويستبين من هذا أن القسط ليس قيمة منفصلة عن البيان والميزان، وأن القيام ليس فعلاً مجرداً عن وجهته.
ويظهر الإصلاح في طبقة الغايات الوظيفية المضادة للفساد، كما في قول شعيب: ﴿إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت﴾ (هود: 88). أما التعارف فله نص غائي صريح: ﴿وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا﴾ (الحجرات: 13)، لكنه مرتبط بمجال التنوع البشري، فلا يلزم من صراحته أن يكون غاية كلية لكل تشريع. وهنا تظهر فائدة التمييز بين «صراحة الغاية» و«اتساع المجال».
6. التقوى والشكر والفلاح: ثمرات الاستجابة لا طبقة غايات الخلق
أدخلت النسخة الأولى بعض هذه المفاهيم في الهامش، لكن استنفاد «لعل» كشف كثافة حضورها. غير أن كثرة ورود ﴿لعلكم تتقون﴾ أو ﴿لعلكم تشكرون﴾ أو ﴿لعلكم تفلحون﴾ لا توجب رفعها جميعاً إلى مقام غاية الخلق. فالتقوى تظهر ثمرة لعبادات وتشريعات وميزاناً للكرامة، والشكر استجابة للنعمة والهداية، والفلاح نتيجة مآلية للإيمان والعمل. لذلك تُجمع في طبقة «ثمرات الاستجابة»، مع إمكان أن تكون مقاصد مباشرة لأحكام مخصوصة، من غير أن تتحول إلى مقاصد عليا مطلقة.
7. التفاضل: من «مقصد أعلى» إلى نتيجة رتبية
كان التفاضل أضعف مفردات القائمة العشرية، وقد حسم الاستنفاد موقعه إلى حد بعيد. ففي الأنعام: 165 لا يجعل القرآن رفع بعض الناس فوق بعض درجات غاية، بل يجعل الغاية منه الابتلاء: ﴿ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما آتاكم﴾. وفي الحجرات: 13 يجعل غاية التنوع التعارف، ثم يجعل التقوى معيار الكرامة. وفي الأنعام: 132 يقول: ﴿ولكل درجات مما عملوا﴾، فتظهر الدرجات نتيجة للعمل. وبذلك يكون التفاضل مادة ابتلاء أو وصفاً للعطاء أو نتيجة رتبية وجزائية، لا مقصداً أعلى مستقلاً.
8. المآل: أفق تحقق لا عنصر موازٍ في قائمة
تكشف شبكة العاقبة والرجوع واللقاء والحساب والجزاء أن المآل لا ينبغي أن يوضع في القائمة كما توضع العبودية. إنه بُعد يعبر جميع المقاصد والأحكام ويسأل عن نهاية الفعل وصدق توقع نتيجته في الدنيا والآخرة. يقول تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد﴾ (الحشر: 18)، ويقول: ﴿واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت﴾ (البقرة: 281). ولذلك يعمل المآل اختباراً لصحة القرار وترتيب المصالح، لا غاية جزئية من جنس غاية الصوم أو الزكاة.
9. الرضوان: ذروة المآل المحمود في شبكة اللقاء والرجوع
يبقى الرضوان بعد الاستنفاد من أقوى مرشحي الذروة النهائية بسبب قوله تعالى بعد ذكر الجنان والمساكن الطيبة: ﴿ورضوان من الله أكبر﴾ (التوبة: 72). لكن الأدق ألا يُعزل عن شبكة اللقاء والرجوع والقرب. فالقرآن يكرر لقاء الله والرجوع إليه، ويجعل العمل الصالح والتوحيد شرطاً لمن يرجو لقاء ربه: ﴿فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا﴾ (الكهف: 110). لذلك تصاغ النتيجة بحذر: «رضوان الله هو أرفع وصف قرآني صريح للمآل المحمود»، لا دعوى أن لفظ الرضوان يستنفد وحده جميع أوصاف النهاية إلى الله.
سادساً: البنية النهائية المقترحة
تخرج المدونة بعد الاستنفاد بنظام غائي لا بقائمة عددية. ويمكن تمثيل طبقاته على النحو الآتي:
الطبقة | المكونات | نوع الوظيفة | مثال حاكم |
|---|---|---|---|
الأصل الحاكم | التوحيد | مرجعية الوجود والغاية | إبراهيم: 52 |
المعايير الحاكمة | الحق والميزان | صدق ووزن | يونس: 32؛ الرحمن: 7–9 |
غايات الخلق والتكليف | العبودية والابتلاء | غاية خلق صريحة | الذاريات: 56؛ الملك: 2 |
غايات التنزيل والرسالة | الهدى والرحمة والتزكية والبيان والتذكر | تحويل وهداية | إبراهيم: 1؛ النحل: 64؛ الجمعة: 2 |
غايات الاجتماع والتشريع | القيام بالقسط والإصلاح والتعارف بحسب المجال | إقامة وإصلاح | الحديد: 25؛ هود: 88؛ الحجرات: 13 |
ثمرات الاستجابة | التقوى والشكر والفلاح | ثمرات معيارية ومآلية | البقرة: 21، 52، 189 |
البعد الرتبي | التفاضل | نتيجة أو مادة ابتلاء | الأنعام: 165، 132 |
أفق التحقق | المآل: العاقبة والرجوع واللقاء والحساب والجزاء | اختبار النتيجة | الحشر: 18؛ البقرة: 281 |
الذروة النهائية | رضوان الله ضمن اللقاء والرجوع | نهاية المآل المحمود | التوبة: 72؛ الكهف: 110 |
وبهذه الصياغة لا يصبح عدد المقاصد «تسعة» بعد إسقاط التفاضل، ولا «ثلاثة عشر» بعد إضافة الرحمة والتزكية والقسط؛ لأن سؤال العدد نفسه ناتج من افتراض أن جميع المفاهيم وحدات متجانسة. المقترح هنا أن المغلق نسبياً هو «أنواع الرتب»، أما المفاهيم الواقعة في كل رتبة فتُستنفد بحسب المجال والدليل، وقد تتسع في فروع التشريع من غير أن يتغير أصل النظام.
سابعاً: إعادة موضعة الضروريات الخمس
لا يلزم من نقد مركزية الضروريات الخمس إسقاطها. بل تبدو بعد إعادة الترتيب أكثر وضوحاً إذا وصفت بأنها «محفوظات تمكينية تشريعية كبرى». فالنفس تحفظ لأن وجود المكلف شرط للعبادة والابتلاء والعمل، والعقل يحفظ لأنه أداة الفهم والتمييز والهدى والوزن، والمال يحفظ لأنه قوام للعيش والعمران والتكليف والإنفاق، والنسل يحفظ لأنه يحمل استمرار النوع والأسرة والمسؤولية، والدين يحفظ بوصفه نظام الهداية والعبادة والاجتماع. لكن هذه المحفوظات لا تكون دائماً الغاية الأخيرة؛ فقد يؤمر الإنسان ببذل المال، وقد يعرّض النفس للخطر المشروع، وقد تتقيد بعض وجوه الملكية لصالح القسط والحقوق.
وهذا التوصيف ينسجم مع قوة الشاطبي في بيان تداخل الضروري والحاجي والتحسيني من غير أن يجعل ذلك التقسيم مرادفاً لجميع غايات القرآن. كما يمنع سوء فهم النقد: فالبحث لا يقول إن حفظ النفس أو العقل أو المال غير مقصود، بل يقول إن «كون الشيء محفوظاً» لا يجيب وحده عن السؤال: لماذا يحفظ؟ ولأي غاية أعلى؟ ومتى يطلب بذله؟ وما الميزان الذي يضبط الاستثناء؟
ثامناً: من المصلحة إلى الصلاح والميزان والمآل
تكشف مدونة المصلحة والفساد أن القرآن لا يقدم «المصلحة» اسماً فنياً حاكماً على الأحكام بالمعنى الذي استقر لاحقاً، بل يبني شبكة أوسع من الصلاح والفساد والنفع والضر والإثم والخير والشر والعدل والقسط. وأوضح نموذج قرآني في نقد مساواة النفع بالمصلحة قوله في الخمر والميسر: ﴿قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما﴾ (البقرة: 219). فالمنفعة ثابتة، لكن ثبوتها لا يحسم الحكم؛ إذ توزن بإثم أكبر، ثم تكشف المائدة آثاراً أخرى: العداوة والبغضاء والصد عن ذكر الله وعن الصلاة (المائدة: 90–91).
وبهذا لا يُلغى مفهوم المصلحة، بل يُمنع من الاستقلال. تمر المصلحة المتوهمة أو المتحققة على الحق، ثم على الميزان، ثم على نطاق الغاية، ثم على المآل. فإذا ثبتت منفعة عاجلة وخالفت حقاً محكماً أو أخلت بميزان صريح أو أفضت إلى مآل أشد فساداً، لم تكن كافية لترجيح الفعل. وهذا أكثر انضباطاً من إطلاق قاعدة «المصلحة» دون تقييد، وأقرب في الوقت نفسه إلى روح الموازنة التي أرادها علم المقاصد نفسه.
تاسعاً: قواعد الترجيح في النظام الجديد
حتى لا يبقى «الميزان» لفظاً إنشائياً، يلزم تحويله إلى قواعد عمل. القاعدة الأولى: لا يعارض مقصد أدنى أصلاً حاكماً أو نصاً محكماً باسم المصلحة. والقاعدة الثانية: تقدم الغاية الأصرح دليلاً عند اتحاد المجال على الغاية المستنبطة الأضعف، ما لم يثبت مخصص أو قيد. والقاعدة الثالثة: لا يقاس اختلاف الرتبة باختلاف القيمة؛ فقد يكون حفظ النفس عظيماً لكنه يقع في مقام الوسيلة أو الشرط بالنسبة إلى غاية خلق أعلى، ولا يعني ذلك جواز التضحية به بلا نص وميزان.
والقاعدة الرابعة: يراعى نطاق المقصد؛ فالتعارف غاية صريحة في مجال التنوع الإنساني، لكنه لا يُعمم تلقائياً على كل أبواب المعاملات والعبادات. والقاعدة الخامسة: يختبر المآل القريب والبعيد والدنيوي والأخروي، فلا يكفي نفع عاجل ولا ضرر محتمل مجرد. والقاعدة السادسة: عند تزاحم المقاصد داخل الطبقة الواحدة يعاد الوزن إلى الحق والميزان والنصوص الحاكمة ومقدار القطع بالمآل، لا إلى ترتيب عددي جامد يُطبق بلا نظر في الواقعة.
وهذه القواعد لا تزعم الاستغناء عن مباحث التعارض والترجيح والمناط في أصول الفقه، بل تعيد ضبط موقع المقصد داخلها. كما تلتقي مع أصل مهم في تراث الوسائل والمقاصد؛ فقد نُقل عن القرافي أن المقصد إذا كانت له وسائل متعددة لا تتعين إحداها لذاتها ما دامت الوسائل متساوية في تحقيقه، وهو ما يميز المقصد عن طريق الوصول إليه (القرافي، د.ت.، ج3، ص. 146). غير أن البحث يضيف ضرورة وزن المقصد نفسه ضمن الرتبة القرآنية، لا الاكتفاء بتمييزه من الوسيلة.
عاشراً: اختبارات تطبيقية
1. الخمر: سقوط اختزال الحكم في حفظ العقل
إذا مر تحريم الخمر على النظام الجديد، بدأ الحكم من النص لا من خانة «حفظ العقل». تثبت البقرة المنفعة ثم ترجح عليها الإثم، وتضيف المائدة رجس العمل الشيطاني والعداوة والبغضاء والصد عن الذكر والصلاة. فيظهر الحق في توصيف الفعل، والميزان في موازنة النفع والإثم، والعبودية في حماية الذكر والصلاة، والاجتماع في منع العداوة، والمآل في دفع ما يفسد الفرد والجماعة. حفظ العقل صحيح في الشبكة، لكنه ليس مستنفداً لها.
2. بذل النفس: اختبار حدود «الحفظ»
يظهر القصور بصورة أوضح حين يكون الفعل المشروع نفسه متضمناً لتعريض النفس أو بذلها. يقول تعالى: ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة﴾ (التوبة: 111). لا تعني الآية إلغاء حفظ النفس، ولا تشرعن تعريضها لكل خطر، لكنها تثبت أن «الحفظ» ليس غاية مطلقة لا تعلوها غاية. فالعبودية والقيام في الحق والمآل الأخروي يمكن أن تجعل بذل النفس مشروعاً ضمن شروطه ونصوصه. وهنا تتضح فائدة الرتبة: المحفوظ التمكيني يحفظ في الأصل، ولا يبذل إلا بميزان شرعي يثبت أن البذل نفسه داخل غاية أعلى لا نزوة بشرية.
3. المال والزكاة والإنفاق: من صيانة الملك إلى وظيفة المال
لا يستنفد «حفظ المال» مقاصد المال القرآنية. فالزكاة تؤخذ لتطهر وتزكي، والإنفاق يربط المال بالابتلاء والشكر والتكافل، والفيء ينظم كي لا يكون دولة بين الأغنياء. ويعني ذلك أن الملكية محفوظة من العدوان، لكنها ليست حقاً منعزلاً عن الحق والميزان والقسط. فإذا دخل المال في نظام الغاية ظهر حفظه واحداً من وظائفه، وظهر بذله وتداوله وتطهيره وظائف أخرى لا تقل دلالة.
الحادي عشر: موقع السنة والرواية في إعادة البناء
لا يستلزم جعل القرآن المدونة الحاكمة إقصاء السنة والرواية. المقصود هو ترتيب الحجية في بناء «المقاصد العليا»: يبدأ استخراج الأصل والرتب الحاكمة من القرآن الذي يعلن غايات الخلق والتنزيل والرسالة، ثم تؤدي السنة والرواية وظيفة البيان والتفصيل والتطبيق والكشف عن علل الأحكام ضمن هذه الحاكمية. وبهذا يختلف المشروع عن دعوى الاكتفاء بالقرآن؛ فهو لا يستغني عن السنة في التشريع، وإنما يمنع أن يُنسب إلى الشريعة مقصد أعلى يناقض البنية التي يقررها القرآن أو يستقل عنها.
وتفتح هذه الصياغة مجالاً لحوار أوسع مع مدارس أصول الفقه المختلفة، ومنها البحث الإمامي في ملاكات الأحكام والمصالح والمفاسد والحسن والقبح، من غير أن يفرض البحث الحالي نتائج مقارنة لم تُستنفد مصادرها بعد. وقد ناقشت دراسات معاصرة موقع المقاصد بوصفها أداة تفسيرية وقانونية في الفكر الشيعي الحديث، مما يؤكد أن المقارنة بين «المقصد» و«ملاك الحكم» تستحق بحثاً مستقلاً، لا فقرة عابرة في هذا المقال.
الثاني عشر: اعتراضات متوقعة وأجوبتها
الاعتراض الأول: توسع البحث من مقاصد الشريعة إلى غايات الخلق
الجواب أن التوسع مقصود بشرط التمييز لا الخلط. لا تُجعل غاية الخلق علة مباشرة لكل حكم فقهي، وإنما تجعل طبقة حاكمة عليا تمنع أن تنفصل مقاصد التشريع عن تصور القرآن للإنسان والعبادة والابتلاء. ويبقى لكل طبقة مجالها وأدلتها.
الاعتراض الثاني: استبدلت القوائم بقائمة طبقات
الفرق أن الطبقات تصنف الوظائف لا الألفاظ. فهي لا تقول إن القرآن لا يملك إلا عدداً معيناً من الغايات، بل تمنع مساواة الأصل والمعيار والغاية والثمرة والمآل. ويمكن اكتشاف غاية جزئية جديدة من غير أن تنهار البنية كلها أو تضطر إلى ترقيتها إلى «مقصد أعلى».
الاعتراض الثالث: لماذا لا تكون الرحمة أو التقوى قمة النظام؟
أدخل الاستنفاد الرحمة والتقوى في الاختبار فعلاً. وتبين أن الرحمة شديدة المركزية في الرسالة والتنزيل، لكنها تعمل أيضاً صفة إلهية وأثراً ونتيجة، بينما تتكرر التقوى ثمرة لعبادات وأحكام وميزاناً للكرامة. أما غايتا الخلق في الذاريات والملك فتأتيان بصياغة أصرح وأعلى اتصالاً بفعل الخلق نفسه. لذلك لا ينقص من قيمة الرحمة والتقوى وضعهما في رتبتهما الوظيفية.
الاعتراض الرابع: أليست صيغ «لعل» غايات صريحة؟
ليست كل «لعل» من المتكلم نفسه ولا تؤدي الوظيفة النحوية ذاتها، كما أن الغاية المباشرة لحكم لا تساوي بالضرورة غاية الخلق أو الرسالة. ولهذا لا يكفي إحصاء الصيغة، بل يلزم تحديد المتعلق والسياق والرتبة. وهذا هو الفرق بين الاستنفاد اللفظي والاستنفاد البياني.
الاعتراض الخامس: هل الرضوان نهاية نهائية أم يوجد اللقاء والقرب؟
لا يدعي البحث أن لفظ الرضوان يستنفد الغيب الأخروي. وإنما يستند إلى وصفه القرآني بأنه «أكبر» بعد ذكر النعيم، فيجعله أرفع وصف صريح للمآل المحمود، ثم يقرأه ضمن اللقاء والرجوع والقرب. ويظل هذا الباب مفتوحاً لاستنفاد مستقل لألفاظ الوجه والقرب واللقاء والرؤية والرجوع قبل أي دعوى ميتافيزيقية أوسع.
الثالث عشر: النتائج
أولاً، لم يثبت الاستنفاد أن المقاصد العليا قائمة عددية متجانسة، لا خمسة ولا عشرة. وثانياً، ثبت أن التوحيد أصل حاكم فوق المقاصد، لا مقصداً موازياً لها. وثالثاً، ظهر الحق والميزان معيارين حاكمين على صحة الغاية ووزنها. ورابعاً، ثبتت العبودية والابتلاء بوصفهما أقوى غايات الخلق الصريحة. وخامساً، وسّع الاستنفاد طبقة التنزيل والرسالة لتشمل الهدى والرحمة والتزكية والبيان والتذكر. وسادساً، صحح التعبير عن الغاية الاجتماعية من «القيام» إلى «القيام بالقسط»، مع وضع الإصلاح والتعارف في مجالاتهما. وسابعاً، أعيد تصنيف التقوى والشكر والفلاح بوصفها ثمرات استجابة يمكن أن تكون مقاصد مباشرة لأحكام مخصوصة من غير ترقيتها إلى غاية خلق عامة. وثامناً، استُبعد التفاضل من المقاصد العليا لأنه يظهر نتيجة رتبية أو مادة ابتلاء. وتاسعاً، تحول المآل من مقصد موازٍ إلى أفق تحقق يعبر جميع القرارات. وعاشراً، بقي الرضوان ذروة المآل المحمود ضمن شبكة اللقاء والرجوع. وحادي عشر، أعيدت الضروريات الخمس إلى رتبة المحفوظات التمكينية التشريعية الكبرى. وثاني عشر، صار «الاستنفاد البياني» نفسه أداة لنقد الفرضية التي ينتجها، لا وسيلة لإثباتها فقط.
الخاتمة
كان السؤال الذي بدأ به البحث: هل يمكن نقد علم المقاصد وإعادة بنائه من القرآن؟ وقد أظهر الاستنفاد أن الجواب لا يكون بإبدال قائمة بقائمة، لأن جوهر المشكلة أسبق من العدد. لا يضع القرآن التوحيد والميزان والعبادة والتفاضل والرضوان في مستوى واحد، بل يبني علاقة بين أصل حاكم ومعيار وغاية وفعل وثمرة ومآل. وحين تسوّى هذه الطبقات تضيع دقة البيان، سواء سميت القائمة ضرورات خمساً أم مقاصد عشراً.
وعليه يقترح البحث أن ينتقل علم المقاصد من «علم قائمة الغايات» إلى «علم نظام الغاية»: يبدأ بالتوحيد بوصفه أصل المرجعية، ويختبر كل دعوى بالحق والميزان، ويميز غايات الخلق من غايات التنزيل والرسالة ومن غايات الاجتماع والتشريع، ويحفظ الثمار في رتبتها، ويعرض القرار على المآل، ثم يقرأ النهاية في ضوء رضوان الله واللقاء والرجوع إليه. وفي هذا النظام تحتفظ الضروريات الخمس بقيمتها العظيمة، لكنها تعود إلى موضعها: محفوظات تمكّن الإنسان من العبودية والابتلاء والقيام، لا حدوداً نهائية لما يمكن أن يقوله القرآن عن غاية الإنسان والوحي والشريعة.
ويبقى أمام البحث عملان لاحقان: استنفاد تفصيلي لجميع لامات التعليل وصيغ الغاية على مستوى القرآن كله مع ترميز نحوي يدوي للموارد الملتبسة، ثم بناء دراسة مقارنة مستقلة بين هذا النظام وبين نظريات المقاصد السنية ومبحث ملاكات الأحكام في الأصول الإمامي. أما المقالة الحالية فقد حققت الخطوة الأسبق: سمحت للمدونة أن تنقض فرضية الباحث نفسه، ومن ثم صارت النتيجة أقدر على الادعاء بأنها مستخرجة من بنية القرآن لا مفروضة عليه.
المراجع
ابن عاشور، محمد الطاهر. (1946). مقاصد الشريعة الإسلامية. تونس: مكتبة الاستقامة.
الريسوني، أحمد. (2007). نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي (ط. 5). هيرندن، فرجينيا: المعهد العالمي للفكر الإسلامي.
الشاطبي، إبراهيم بن موسى. (1997). الموافقات (تحقيق أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان). الخبر: دار ابن عفان.
الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد. (د.ت.). المستصفى من علم الأصول، الجزء الثاني: الأدلة (دراسة وتحقيق حمزة بن زهير حافظ). المدينة المنورة: الجامعة الإسلامية.
القرافي، أحمد بن إدريس. (د.ت.). الفروق، ج3. بيروت: عالم الكتب. (الموضع المستعمل: ص. 146).
Dukes, K. (2011–). The Quranic Arabic Corpus. University of Leeds. https://corpus.quran.com/
Auda, J. (2008). Maqasid al-Shariah as philosophy of Islamic law: A systems approach. London & Washington: The International Institute of Islamic Thought.
Kamali, M. H. (2008). Maqasid al-Shari‘ah made simple. London & Washington: The International Institute of Islamic Thought.
Takim, L. (2014). Maqāṣid al-sharī‘a in contemporary Shīʿī jurisprudence. In R. Gleave (Ed.), Modern Islamic authority and social change. Palgrave Macmillan.
القرآن الكريم.
تنبيه توثيقي ومنهجي
أرقام الصفحات في الإحالات التراثية أعلاه قُيدت بالمواضع التي جرى التحقق منها في النسخ الرقمية أو الفهارس العلمية المستعملة في بناء البحث. أما إحصاءات الجذور وصيغ الأدوات فاستعملت فيها «المدونة اللسانية العربية للقرآن» أداةً صرفية ونحوية، ولم تُستعمل مرجعاً تفسيرياً. وتبقى موارد لام التعليل و«حتى» خاصة محتاجة إلى فرز نحوي يدوي كامل قبل ادعاء العدد النهائي للموارد الغائية، ولذلك تجنب البحث نسبة رقم نهائي إليها حيث لا تسمح طبيعة الأداة بذلك.